الإمام الباقر... شبيهُ الرسولِ وملتقى الحسنين

مقالات وبحوث

الإمام الباقر... شبيهُ الرسولِ وملتقى الحسنين

الإمام الباقر... شبيهُ الرسولِ وملتقى الحسنين

 

خُطَى الخزاعي

 

في يوم الجمعة من غرة رجب الأصب من سنة ( 57هـ) على رواية([1])، لاح النجم الخامس في المدينة المنورة من نجوم العترة الطاهرة لآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه)، حائزًا رتبةَ سنام شرف النسب وأعلاه، فهو الإمام الأول الحسيني الحسني من النسل العلوي، فالأب الإمام زين العابدين علي بن الحسين( صلوات الله وسلامه عليهما)، والأُم السيدة فاطمة بنت الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليهما)، ذات الفضل الموصوفة على لسان حفيدها الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) بقوله: (صدّيقة لم تُدرَك في آل الحسن امرأة مثلها)([2])، آخذًا من جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بهاء طلعته، وحُسن خِلقته، وجميل شمائله؛ ولذا كان يُدعى بالشبيه([3])، وقد بشَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) به اسمًا ولقبًا، محمِّلًا الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله عليه) سلامًا له عند ادراكه، وذلك أنَّ (رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر، إنَّك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فأقرأه مني السلام، فدخل جابر إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فوجد محمد بن علي (عليهما السلام) عنده غلاما، فقال له: يا غلام، أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال جابر: شمائل رسول الله ورب الكعبة، ثم أقبل على علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال له: من هذا ؟ قال: هذا ابني، وصاحب الأمر بعدي محمد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبّلهما، ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا بن رسول الله، اقبل سلام أبيك، إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر( عليه السلام )، ثم قال: يا جابر، على أبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلغت السلام)([4])، أدرك مع جده الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) أربع سنوات وكان حاضرًا في كربلاء وشاهدًا على غصصها وآلامها، ومعاينًا مصارع الصفوة من آل الرسالة وسبي الحرائر من عقائل البيت النبوي، ناشئًا بكنف والده الأمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه)، متدرجًا في نشأته بين الكمالات, لِيليَ ولاية أمر الأمة بعد شهادة أبيه زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) (وله من العمر ثمان وثلاثون سنة أو نحو ذلك، وقد قام بأعباء الإمامة طيلة تسعة عشر عاماً)([5])، وقد أحدث نقلة نوعية في نشر العلوم وبثها، شاهدة على ذلك كثرة ما روي عنه قياسًا بمن سبقوه من الأئمة (صلوات الله عليهم)، مضافًا إلى دوره في توجيه أصحابه وتلامذته إلى التخصص بشتى مجالات المعارف، وفجَّر ثورة علمية كبرى ليؤسس بها أكبر جامعة إسلامية عرفها التشيع، التي بلغت أعلى ذُرى مجدها في زمن ولده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)، مستثمرًا ظرف السلطة في الاضطراب والتخلخل آنذاك بين سقوط بني أمية وتسلم بني العباس الحكم، وما ساد المشهد من ضعف تمخض عنه انفراج نسبي شُغِل بإتقان في خدمة الدين وبث العلم، رافعًا القواعد من تأسيس الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه)، وكأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبان لإمامنا أهم دور من أدوار إمامته بإخبارٍ عمّا كتبه الله له في التوراة بأنه سيبقر العلم بقرًا، فينتشل عباد الله من حضيض الجهل إلى رُبَى العلم، فيتلاءم دوره في أبعاد ظروفه الموضوعية في ذلك العصر وحاجة الدين في البقاء والاستمرار، فأدَّى ( عليه السلام) ما حُمِّل وبلَّغ مَهمته بدقيقها وجليلها مكمّلًا أدوار من سبقه من المعصومين ومُمهّدًا لدور القادم منهم، مشكّلًا حلقة وصل لابُدَّ منها في تسلسل الأدوار التي تحقق بمجموعها مَهمة العترة في حفظ الدين وضمانة تمريره إلى الأجيال مثل ما أنزله الله تعالى.

 

 فسلام الله على محمد بن علي الباقر، وجزاه عن أمة الإسلام أفضل رُتب الجزاء وأعلاها، وأحسن الختام روايةٌ؛ عن جابر بن يزيد الجعفي (رضوان الله عليه) عن إمامنا الباقر (صلوات الله وسلامه عليه) إلى شيعته نقتطف منها قوله (عليه السلام ) :يا جابر بلّغ شيعتي عنِّي السلام وأعلمهم أنَّه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل، ولا يُتقرب إليه إلاّ بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا...)([6]) ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعداء الله ظالميهم من الأولين والآخرين.

الهوامش:

[1])) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة ( ع )، الحاج حسين الشاكري: 8/36

[2])) الكافي، الشيخ الكليني، المتوفى 329ه: 1/469

[3])) دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )، الوفاة : ق 4: 216

[4]))  الأمالي، الشيخ الصدوق، المتوفى381ه: 434-435

[5])) موسوعة المصطفى والعترة ( ع )، الحاج حسين الشاكري: 8/52

[6])) الأمالي، الشيخ الطوسي، المتوفى 460ه: 296

 

 

 

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1104 Seconds