الولاية بين إكمال الدين وإتمام النعمة

مقالات وبحوث

الولاية بين إكمال الدين وإتمام النعمة

الولاية بين إكمال الدين وإتمام النعمة

 

                         الشيخ سجاد عبد الحليم الربيعي

 

                    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الانبياء والمرسلين لاسيما سيدنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأئمة الهادين المهديين وصحبه المنتجبين.

وبعد:

ليس هناك أفضل من التاريخ كشاهد إثبات يمكن الاعتماد عليه في إحقاق الحق، خصوصا عندما يكون رصينا صادقا ومدعوما بالوثائق أو الأدلة التي لا تقبل الخطأ، وهناك نوعان من التدوين التاريخي، نوع يكتبه مؤرخون أمناء لهم مكانتهم العلمية الكبيرة، وغالبا ما يكون هذا النوع مدعوما بالحقائق والإثباتات، ويوجد نوع آخر يدونه كتبة السلاطين، وهؤلاء هم رؤوس الأفاعي التي تلدغ (وتخفي رأسها) لكي تبعد الشبهات عنها، لكن الحقائق الكبرى لا يمكن أن تحجب بغربال.

ندلي بهذه الكلمات التمهيدية ونحن نعيش ذكرى عيد الغدير، وتنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، خليفة على المسلمين من قبل الرسول الكريم (صلى الله عليه واله) بأمر من الله تعالى :(( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))[1].

فقد جاء عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علما لامتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم على أمتي فيه النعمة، ورضي لهم الاسلام دينا, ثم قال (صلى الله عليه وآله): معاشر الناس، إن عليا مني وأنا من علي، خلق من طينتي، وهو إمام الخلق بعدي، يبين لهم ما اختلفوا فيه من سنتي، وهو أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب المؤمنين، وخير الوصيين، وزوج سيدة نساء العالمين، وأبو الأئمة المهديين. معاشر الناس، من أحب عليا أحببته، ومن أبغض عليا أبغضته، ومن وصل عليا وصلته، ومن قطع عليا قطعته، ومن جفا عليا جفوته، ومن والى عليا واليته، ومن عادى عليا عاديته. معاشر الناس، أنا مدينة الحكمة وعلي بن أبي طالب بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا. معاشر الناس، والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على جميع البرية، ما نصبت عليا علما لامتي في الأرض حتى نوه الله باسمه في سماواته، وأوجب ولايته على ملائكته. وصلى الله على رسول محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما[2].

وقال تعالى: ((وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا))[3]

ففي هذه الآية الكريمة إنّ الله تعالى قد ربط إتمام نعمته على الخلق بموضوع الولاية، أي كما أنّ كمال الدين يتحقّق بالولاية لمحمد وآل محمد (عليهم الصلاة والسلام) كذلك فإنّ بها تمام النعمة على المسلمين. والمقصود بالنعمة ــ في الآية ــ جميع النعم، ظاهرها وباطنها، كالعدل والمساواة والاتّحاد والأخوّة والعلم والأخلاق والطمأنينة النفسية والروحية والحرّية، وبعبارة موجزة جميع أنواع العطايا.

لذا، فقول أولئك الذين سعوا إلى تفسير النعمة في الآية بالشريعة وبالنعم المعنوية فحسب، محلّ تأمّل ونظر، لأنّ الآية المذكورة لم تتطرّق لمسألة أصل النعمة، بل سياقها يدور حول إتمام النعمة، أي جمع أنواع النعم، فأينما ورد ذكر إتمام النعمة في القرآن الكريم كان المراد منها كلّ النعم التي يصيبها الإنسان في الدنيا[4].

ومن هنا نستطيع معرفة العلاقة المباشرة بين ولاية أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه) والتمتّع بالنعم الدنيوية المشروعة، وذلك لمحورية الولاية العلوية باعتبارها أحد الشروط المهمّة والرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع قائم على أساس الحرية والعدالة والقيم والفضائل الأخلاقية والإنسانية؛ لذا يحتمّ الواجب أن نسلّم لما بلّغ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير، وأن نقبل عملياً بولاية أمير المؤمنين (سلام الله عليه)[5].

بعبارة أخرى: إنّ الأخذ بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أنزلها الله تعالى وفرضها على المسلمين في يوم الغدير، له أثر تكوينيّ يوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء. قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ((وَلَوْ أنَّهُمْ أقَامُوا التَوْراةَ وَالإنْجيلَ وَما أُنزِلَ إلَيهِمْ مِنْ رَبـّهِمْ لأكَلوا مِنْ فَوقِهِمْ وَمِنْ تحْتِ أرجُلِهِم))[6].

فيتضح : إنّ الغدير هو الوعاء الذي تجتمع فيه جميع تضحيات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وهو مخزن الأحكام والآداب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الأمين، والإشارة إلى هذه الحقيقة ومدى توقّف البعثة الخاتميّة عليه تجسّد في قوله جلّ وعلا: ((يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغ ما أنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لم تفعَل فما بَلَّغتَ رِسالَتَه))[7].

فمن هنا نقول أن الغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن، بل هو المكارم بعينها، والتطوّر الحضاري والمعنوي كلّه يدين له بذلك؛ لكونه أهمّ عامل في حفظ كيان الدين والملّة، ويعدّ إنكاره بمثابة إنكار لجميع القيم الإسلامية السامية[8].

 

الهوامش:


[1] سورة المائدة, الآية: 67 .

[2] الأمالي, الشيخ الصدوق:188 .

[3] المائدة: 3

[4] مثل قوله تعالى:...ولأِتمّ نعمتي عليكم... سورة البقرة: 150؛ وقوله تعالى:...وليتمّ نعمته عليكم، سورة المائدة: 6؛ وقوله تعالى:... ويتمّ نعمته عليك، سورة يوسف: 6؛ وقوله تعالى:... كذلك يتمّ نعمتَه عليكم... سورة النحل: 81؛ وقوله تعالى:...ويتمّ نعمته عليك سورة الفتح: 2.

[5] ينظر: دعائم الإسلام, القاضي النعمان المغربي: 1 /15 .

[6] سورة المائدة, الآية: 66.

[7] سورة المائدة, الآية : 67.

[8] ينظر: بحار الأنوار: 94 /110باب6 ـ فضل يوم الغدير وصومه ح3.

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0938 Seconds