زيارةُ الأربعينَ شعاعُ هدايةٍ/ كلمات من نهج البلاغة

18 2018-10-28


زيارةُ الأربعينَ شعاعُ هدايةٍ/ كلمات من نهج البلاغة

تَبَارَكَ اللهُ الَّذِي لاَ تَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ، الاوَّلُ الَّذِي لاَ غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ، وَلاَ آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي.

أما بعد:

فالسائر على نهج أهل بيت النبوة قد استمسك بالعروة الوثقى، فهم سادةٌ أمناءٌ على الدين في حياتهم، ومنارا يشعُ نور الإسلام هدايةً للناس من قبابهم، وبين هذا وذاك فهم الحبل الممدود من الأرض الى السماء فمن تمسك به نجا ومن تخلف عنه هلك وضل، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ، وَاتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدىً، وَلَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدىً، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا، وَإِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا، وَلاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا، وَلاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا))([1])، ومن هنا ينبغي على الفرد في الدنيا أن يراجع نفسه ويفتش عن الطريق الصحيح الذي به نجاته من النار، (( فَإِنَّ الْعَامِلَ بَغَيْرِ عِلْم كَالسَّائِرِ عَلَى غيْرِ طَرِيق، فَلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلاَّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ، وَالْعَامِلُ بالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ: أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ؟!))([2])، وأن لا يكون مكبا على وجهه قائلا: ((حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ))([3])؛ إذ إنَّ الله نشر علامات الهدى، وإمارات الحق في أرجاء المعمورة تلاحظها الأجيال، فمنهم من أذعن لصدقها وآمن بها، ومنهم  ((جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا))([4])، ولنقف عند أحد دلائل الهداية، وآية الحق التي جعلها الله سبحانه شامخة على مدى الزمان، آية تصدع على مدى العصور أن الحقَّ منتصرٌ على الباطل، وأنَّ الدمَ هازمٌ السيوف الظالمة وإن كسبت المعركة ماديا في حينها، ولكن المبادئ والقيم التي تحملها هذه الثورة انتصرت وما هي إلا أيام قلائل حتى نصب مجلس تأبيني في بيت البلاط الظالمة يرثي الحسين عليه السلام وتبكيه الناس.

نعم، فالحسين من آيات الحق الذي غيَّر خارطة التأريخ وقدم فلسفة انتصار مغايرة عن التي ألفها المجتمع، فهو متيقن أنه منتصر، بل كان انتصاره انتصارين: انتصار نيل الشهادة، وانتصار المبادئ والقيم التي يحملها، وهي بعد ذلك أطاحت عرش الظلم المتمثل بيزيد الفجور، وخطابه واضح في ذلك: ((إنه من لحق بي استشهد ، ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح والسلام))([5])، وأصبحت مبادئ الإمام الحسين عليه السلام فيما بعد منهجا يسلكه الأحرار إذا ما مسهم ظلم.

 وقد ترجمت ثورة الإمام الحسين عليه السلام بقراءات عدة وعلى مختلف المستويات والأصعدة، ونحن اليوم نعيش قبسا من نورها، ذلك القبس المتمثل بتلك اللحمة الاجتماعية التي نلاحظها ويراقبها العالم أجمع، وأقصد بها ما اختطه الزائرون الوافدون سيرا على الأقدام، والذين جاءوا من دول أخرى يجمعهم ويوحدهم نداء( ياحسين) في زيارة الأربعين، ولا نغفل تلك النفوس الكريمة التي جادت بكل غالٍ خدمة لهذه الوفود المليونية تقدم لهم الطعام بأنواعه، والمسكن وكل الخدمات التي لا تخطر ببال، فتجد الغني يخدم الفقير، والفقير يساعد الغني بالعمل والمجهود، وحتى النساء والأولاد فترى لوحة اجتماعية يصعب فك رموز أطيافها، و (( مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الأغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اللهِ!))([6])، وهي أن دلت إنما تدل على طيب سريرة، وحسن خلق، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((وَاعْلَمْ أَنِّ لِكُلِّ ظَاهِر بَاطِناً عَلى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَمَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ، وَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صلى الله عليه وآله): ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ  لْعَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُحِبُّ الْعَمَلَ وَيُبْغِضُ بَدَنَهُ)).فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَل نَبَاتٌ، وَكُلَّ نَبَات لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ))([7])، وأكرم به من عمل يودع في كنف آل البيت عليهم السلام.

 

فمن ثمار زيارة الأربعين التعارف والتقارب بين أطياف المجتمع نتيجة الحوارات المتبادلة بين الزائرين في أثناء المسير الى كعبة الأحرار،  فالذي يسير أياما في الطريق يكسب من غيره الصفات الحميدة، ويتعلم الصبر، ومجاهدة النفس، وحب الآخر، ونبذ ما علق من صفات مذمومة فمن قصد إلى الحسين عليه السلام زائرا فعليه أن يتوضأ بالإخلاص ؛ لأنه أخلص لنا بدمه، فهو عليه السلام مطلع على أعمالنا، قال الإمام علي عليه السلام: ((تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ، وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ ، وَتَمَامَ الْكَلِمَاتَ. وَعِنْدَنَا ـ أَهْلَ الْبَيْتِ ـ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَضِيَاءُ الامْرِ، أَلاَ وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَنِمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ))([8])، وكفى بالمرء أن ينصف نفسه، والدروس المستلهمة من ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ثم زيارة الأربعين أكثر من أن تحصى، ويسعها قرطاس، مادامت تعالج كل مرافق الحياة، وتنير الطريق للأجيال في جميع المستويات: الدينية ، والاجتماعية ، والشخصية، ونستطيع أن نقول أن ثورة الإمام الحسين عليه السلام قدمت ما يحتاجه الفرد في الدنيا والآخرة.

([1]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح: 143.

([2])  نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح:216.

([3]) سورة المائدة: 104.

([4]) سورة نوح: 7.

([5]) دلائل الإمامة، محمد بن جرير الطبري: 188.

([6]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح:547.

([7]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح:216.

([8]) نهج البلاغة، تحقيق: د. صبحي الصالح:176.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك