معركة الجمل ... الكيل بمكيالين

مقالات وبحوث

معركة الجمل ... الكيل بمكيالين

معركة الجمل ... الكيل بمكيالين

 

الباحث: علي عباس فاضل

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد:

 

معركة الجمل أول معركة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد توليه الخلافة, فقد خرج عليه الناكثون للبيعة الخارجون عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله), لا لشيء انما حسدا وبغضا بأمير المؤمنين (عليه السلام), وخوفا من احقاق الحق على يده, وطمعا بهوى الدنيا.

 

ولا بد من بيان أسباب هذه المعركة ومناقشتها, وبيان موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه منها, وما ذكرته المصادر, ذاكرين حكم الخروج على الإمام في الشريعة التي كان يتبعها الخارجون, وماذا فعل من كان قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمثالهم.

 

وقد حذر النبي (صلى الله عليه وآله) من هذه المعركة، وإن أحدى زوجاته ستكون فيها وهي على باطل، فقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ, يُقْتَلُ حَوْلَهَا قَتْلَى كَثِيرَةٌ تَنْجُو بَعْدَمَا كَادَتْ"([1]), والتقدير: بعدما كادت ألّا تنجو. فهذا الحديث يدل على تحذيرهن من هذه الواقعة وأنها ستكون في ضلال وعليها الّا تذهب, لكن كان منها ما هو عكس ذلك, إذ ذهبت على جملها الأدبب, ونبحتها كلاب الحوأب, لكنها لم تنته ممّا عمدت إليه, فقتل بسببها مقتلة عظيمة حتى كادت أن تهلك, لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) ردها الى بيتها بأخلاق المقاتل المسلم المؤمن المحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله), وقد أوصاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بها, فقد روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): سيكون بينك وبين عائشة أمر: قال: أنا يا رسول الله؟! قال: نعم . قال: أنا ؟! قال: نعم . قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟! قال: لا. ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها([2])، وقد فعل بما أوصاه وكيف لا يكون ذلك من خير الخلق بعد نبيه (صلى الله عليه وآله), وكلاهما بعضه من بعض, ولم يكن التحذير هذا محصورا بعائشة فقد حذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزبير، وذلك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لَقِيَهُمَا (علي والزبير) فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالَ: «أَتُحِبُّهُ يَا زُبَيْرُ؟» فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله: «فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا قَاتَلْتَهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ؟([3])، وهو مما أوحى الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله) في هذه الحوادث التي تجري على أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد حذرهم من الوقوف ضده فهو مع الحق حيثما دار.

 

أما أحداث المعركة فبعد أن بايع الناس أمير المؤمنين (عليه السلام) وبايعه طلحة والزبير طمعا بنيل إمارة منه, ولكنه لم يوليهم أي منصب طلبا منه أن يسمح لهما بالحج, ولم يكن قصدهما الحج كما ذكر لهما الإمام (عليه السلام), فأذن لهما فانطلقا الى مكة التي كانت فيها عائشة تحرض الناس على أمير المؤمنين (عليه السلام), بدعوى المطالبة بدم عثمان, ولا أدري ما العلاقة التي تربطها بعثمان حتى تكون هي ولي دمه!, فالتحق بها طلحة والزبير اللذان نكثا بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وانضما الى المطالبين بدم عثمان وكأنهم ولي الدم!, ولم يكن دم عثمان الا ذريعة لهم بالخروج على طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنهم أصبحوا مجردين عمّا كانوا عليه من السلطة والأموال التي تدفع لهم من الذين تولوا الحكم قبل أمير المؤمنين (عليه السلام), ولهذا فهم من قتل عثمان لأنهم اختلفوا معه, فها هي عائشة تحرض على قتل عثمان عندما طالبته بإرث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكنه رفض طلبها, فقالت أقتلوا نعثلا فقد كفر وهذا ما تبينه الرواية التي تقول: انتهت عائشة إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان فمكثوا ثمانيا قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه أن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا: وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أم كلاب:

 

فمنك البداء ومنك الغير            ومنك الرياح ومنك المطر

 

وأنت أمرت بقتل الإمام                   وقلت لنا إنه قد كفر

 

فهبنا أطعناك في قتله                    وقاتله عندنا من أمر

 

     ولم يسقط السيف من فوقنا            ولم تنكسف شمسنا والقمر

 

     وقد بايع الناس ذا تدرإٍ                  يزيل الشبا ويقيم الصعر

 

      ويلبس للحرب أثوابها              وما من وفى مثل من قد غدر

 

فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحجر فسترت واجتمع إليها الناس فقالت: يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوما والله لأطلبن بدمه([4]). وهكذا لم يكن خروجها حقا للإصلاح ولكن لأنها علمت بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أصبح هو الخليفة لذا ثارت ضده بغضا به وحسدا, ولأنه لن يتعامل معها كما كان ممن سبقوه, الذين كانوا يغدقون عليها الأموال وغيرها.

 

ويدل على ما ذهبنا إليه في أنها هي من تسبب بمقتل عثمان لأنه منع عنها ما كان يعطى لها, أنها عندما قال لها هذا الشخص قتل عثمان لم تقل كلمة واحدة حتى لم تسترجع أو تترحم عليه, فهذا يبين أنها راضية بمقتله, فسألت وما حصل بعد أي من تولى الحكم, وقيل أنها قالت أرى الناس يبايعون طلحة([5]), وهذا يشير إلى أنها جزء من عملية قتل عثمان والسيطرة على الحكم من قبل شخص يدين بالولاء لها, فلما علمت بأن الأمور غدت لأمير المؤمنين (عليه السلام) هنا قالت والله ليت أن هذه انطبقت على هذه أن تم الأمر لصاحبك – أي لعلي (عليه السلام)- لأنها تعلم أن علي (عليه السلام) لن يعطيها أي شيء أكثر من حقها, فعدالته عدالة رسول الله (صلى الله عليه وآله), وهو الذي رفض أن يكون حكمه على طريقة الشيخين في قضية الستة الذين وضعهم عمر, لأن الشيخين كانا يعملان خلاف القرآن والسنة ويعطون المال والهبات, فلما قبل عثمان بطريقة الشيخين سلموا الأمر له؛ لأنه سيعطيهم ما كان الشيخان يعطيانهم فعندما منعه عنهم قتلوه, وبهذا انتهى ما تريده وما كانت تخطط له بتولي علي (عليه السلام) الأمر, وهذه الحال التي كان عليه طلحة والزبير فقد كان يريدان أن يكون لهما أمرة على بعض الأمصار فلما لم يحصلا على إمارة ذهبا الى مكة([6]) والتحقا بعائشة وخرجوا معها تحت ذريعة المطالبة بدم عثمان الذي هم قتلوه, فيقول فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام): ((فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) كَمَا تُجَرُّ الأمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَبْرَزَا حَبِيس رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، فِي جَيْش مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَه، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً، وَطَائِفَةً غَدْراً))([7]).

 

وهذا النص يظهر ما قام به هؤلاء الناكثون بالبيعة حتى أخذوا يجرون حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتركوا نساءهم معززة مكرمة في بيوتهن, وكل من معهم قد بايع أمير المؤمنين (عليه السلام) طوعا دون اكراه, ثم توجهوا الى البصرة فلقيهم أهلها فقاتلوهم, ومن ثم اتفقوا مع عثمان بن حنيف على انهاء القتال على أن يبقى هو الوالي على البصرة والمتصرف في بيت المال, ثم نكثوا به وسيطروا عليها وعزلوه وسجنوه وعذبوه حتى نتفوا شعر رأسه ولحيته, ونهبوا بيت المال, وقتلوا ما قتلوا, وبعد كل هذا يأتي من يقول إنهم ذهبوا للإصلاح ومحاربة الفساد والقضاء على قتلة عثمان.

 

لَمَّا بَلَغَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مَنْزِلَ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ انْصَرَفُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَخَذُوا عَلَى الْمُنْكَدِرِ، فَسَمِعَتْ عَائِشَةُ نُبَاحَ الْكِلابِ، فَقَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: الحَوْأَبُ، فَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! إِنِّي لهيه، قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ وَعِنْدَهُ نِسَاؤُهُ: لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُهَا كِلابُ الْحَوْأَبِ! فَأَرَادَتِ الرُّجُوعَ، فَأَتَاهَا([8]) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَزُعِمَ أَنَّهُ قَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ إِنَّ هَذَا الْحَوْأَبُ وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَضَتْ، فَقَدِمُوا الْبَصْرَةَ وَعَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: مَا نَقِمْتُمْ عَلَى صَاحِبِكُمْ؟

 

فَقَالُوا: لَمْ نَرَهُ أَوْلَى بِهَا مِنَّا([9])، وَقَدْ صَنَعَ مَا صَنَعَ، قَالَ: فَإِنَّ الرَّجُلَ أَمَرَنِي فَأَكْتُبُ إِلَيْهِ فَأُعْلِمُهُ مَا جِئْتُمْ لَهُ، عَلَى أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَنَا كِتَابُهُ، فَوَقَفُوا عَلَيْهِ وَكَتَبَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا يَوْمَيْنِ حَتَّى وَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ بِالزَّابُوقَةِ عِنْدَ مَدِينَةِ الرِّزْقِ، فَظَهَرُوا، وَأَخَذُوا عُثْمَانَ فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ خَشُوا غَضَبَ الأَنْصَارِ، فَنَالُوهُ فِي شَعْرِهِ وَجَسَدِهِ فَقَامَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ خَطِيبَيْنِ فَقَالا: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، تَوْبَةٌ بِحَوْبَةٍ، إِنَّما أَرَدْنَا أَنْ يَسْتَعْتِبَ عُثْمَانَ وَلَمْ نُرِدْ قَتْلَهُ، فَغَلَبَ سُفَهَاءُ النَّاسِ الْحُلَمَاءَ حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ النَّاسُ لِطَلْحَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَدْ كَانَتْ كُتُبُكَ تَأْتِينَا بِغَيْرِ هَذَا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَهَلْ جَاءَكُمْ مِنِّي كِتَابٌ فِي شَأْنِهِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ وَمَا أَتَى إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ عَيْبَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَنْصِتْ حَتَّى نَتَكَلَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ:

 

وَمَا لَكَ وَلِلْكَلامِ! فَقَالَ الْعَبْدِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَنْتُمْ أول من أجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فَكَانَ لَكُمْ بِذَلِكَ فَضْلٌ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ فِي الإِسْلامِ كَمَا دَخَلْتُمْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) بَايَعْتُمْ رَجُلا مِنْكُمْ، وَاللَّهِ مَا اسْتَأْمَرْتُمُونَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَرَضِينَا وَاتَّبَعْنَاكُمْ، ... ثُمَّ مَاتَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ رَجُلا مِنْكُمْ، فَلَمْ تُشَاوِرُونَا فِي ذَلِكَ، فَرَضِينَا وَسَلَّمْنَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جُعِلَ الأَمْرُ إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ، فَاخْتَرْتُمْ عُثْمَانَ وَبَايَعْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، ثُمَّ أَنْكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ شَيْئًا، فَقَتَلْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، ثُمَّ بَايَعْتُمْ عَلِيًّا (عليه السلام) عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا، فَمَا الَّذِي نَقِمْتُمْ عَلَيْهِ فَنُقَاتِلُهُ؟ هَلِ اسْتَأْثَرَ بِفَيْءٍ، أَوْ عَمِلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ؟ أَوْ عَمِلَ شَيْئًا تُنْكِرُونَهُ فَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ! وَإِلا فَمَا هَذَا! فَهَمُّوا بِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَامَ مِنْ دُونِهِ عَشِيرَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَتَلُوا سَبْعِينَ رَجُلا([10]), وهذا الرجل كان يريد منهم أن يعطوه دليلا على قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو لم يفعل كما فعل الذين سبقوه, فقد استأثروا بالفيء وعملوا بغير الحق, أو أعطوا حجة واضحة ليقف الناس معكم فأنتم بايعتموه, ثم أنظر ماذا فعلوا بهذا الرجل ومن كان معه؟ وبعد هذا يأتي من يقول إنهم جاؤوا لطلب الإصلاح والطلب بدم عثمان, فهم يقتلون كل من يقف بوجههم حتى وإن كان في الرأي, فكان قتل هذا الرجل القيسي وغيره من أتباع أمير المؤمنين (عليه السلام) مسوغا آخر لقتال هذه الفئة الضالة, كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (( فَوَاللهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلاَ جُرْم جَرَّهُ، لَحَلَّ لي قَتْلُ ذلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ، إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَان وَلاَ يَد. دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ))([11]), إضافة الى نكثهم بيعة إمامهم وخرجوهم عليه, والخارج على الإمام في جميع المذاهب كافر يقاتل، فعلى اختلاف المذاهب إن الخارج على الإمام هو كافر فاسق مرتد كما كان يطلق على من خرج على من سبق أمير المؤمنين (عليه السلام), بالرغم من وجود الخلاف حول الخلافة الا أن المعاندين عندما يصل الأمر إلى من خرج على أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول أنهم مسلمون اجتهدوا وكان اجتهادهم خطأ!, وأي اجتهاد هذا الذي قتل فيه آلاف المسلمين؟ ولمَ هذا الكيل بمكيالين؟ أما عندنا فالإمام علي (عليه السلام) هو الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكل من خرج عليه فهو مرتد انقلب على عقبيه، وأمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة بالنص المقدس، ومن ثم بالإجماع في مبايعته.

 

بعد أن التقى الجيشان في معركة كبيرة قتل فيها خلق كثير غالبيتهم من الناكثين, فقد قتل طلحة والزبير, وعقر جمل عائشة وسقط هودجها وحمله أخوها محمد بن أبي بكر، وهو من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعمار بن ياسر, ثم وضعوها في بيت بالبصرة حتى جهز لها أمير المؤمنين (عليه السلام) جيشا من النساء سار معها الى المدينة حيث بيتها معززة مكرمة احتراما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنه قد أوصاه بها. فقد جاء عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله خُرُوجَ بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ: انْظُرِي يَا حُمَيْرَاءُ، أَنْ لَا تَكُونِي أَنْتِ, ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ: إِنْ وُلِّيتَ مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا فَارْفُقْ بِهَا([12]). وهكذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ملتزما بوصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يخالفها كما فعل بعضهم ومنهم عائشة التي حذرها من هذه المعركة وقال لها ان لا تكوني أنت ومع تحقق كل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لها, إلا أنها أصرت على الخروج مخالفة بذلك أمر الله سبحانه وتعالى([13]) وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله).

 

وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحاب الجمل ووصفهم, إذ ورد في نهج البلاغة (( إنّ الحارث بن حَوْط أتاه(عليه السلام) فقال: أتُراني أظنّ أصحابَ الجمل كانوا على ضلالة؟ فقال(عليه السلام): يَا حَارِ([14])، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَبَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ. فقال الحارث: فإنّي أَعتزل مع سعيد بن مالك وعبد الله بن عمر .فقال(عليه السلام): إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ، وَلَمْ يَخْذُلاَ الْبَاطِلَ))([15]). ويبين الإمام هنا أن أصحاب الجمل هم من أتى الباطل على علمهم به أنه باطل وهذا الإصرار منهم أدى بهم الى خسران الدينا والآخرة, ثم أنت يا حارث عرفت الحق والباطل ولكنك أبيت أن تنصر الحق, ولم تقف مع الباطل فضيعت أجر الجهاد مع الحق وهو واضح لك, وتجنبت ذنب الوقوف مع الباطل.

 

وهكذا انتهت معركة الجمل وانهزم الناكثون وقتل منهم من قتل, وقتل بسببهم الآلاف فهم يتحملون كل هذه الدماء التي سالت وما حصل من فتن بعدها.

 

الهوامش:

 

 

 ([1])الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار: 7/ 538, ومسند البزار: 11/ 73,  وينظر: شرح مشكل الآثار: 14/ 265.

[2] ينظر: مسند أحمد بن حنبل: 45/ 175, وينظر: الغدير, الشيخ الأميني: 3/ 195.

[3] ينظر: جامع معمر بن راشد: 11/ 241, وينظر: مصنف ابن ابي شيبة: 7/ 545.

([4]) ينظر: الفتنة ووقعة الجمل: 115- 116, وينظر: تأريخ الطبري: 4/ 458- 459, وينظر: الكامل في التاريخ: 2/ 570.

([5]) ينظر: تاريخ مختصر الدول: 105.

([6]) ينظر: تاريخ مختصر الدول: 105.

[7] نهج البلاغة، تحقيق: الشيخ قيس بهجت العطار: 381- 382.

([8]) وأول من شهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلًا إليهما, وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام. ينظر: العواصم من القواصم: 148, وينظر: الروض المعطار في خبر الأقطار: 206.

([9])وهنا تتضح مآربهم وهو طمعهم بالحكم, فهم يرون أنهم أولى من أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة, لذا فخروجهم لم يكن لغير ذلك, فلأنهم لم ينالوا أي منصب أو فضل في هذه الخلافة كما كان فيمن سبقه خرجوا عليه.

([10])ينظر: تاريخ الطبري: 4/ 469- 470.

([11]) نهج البلاغة، تحقيق: الشيخ قيس بهجت العطار: 382.

([12]) المستدرك على الصحيحين: 3/129, وينظر: شرف المصطفى: 4م 65, وينظر: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: 6/ 411.

 ([13])إن الله سبحانه وتعالى أمرها وباقي نساء النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبقين في بيوتهن وذلك في قوله تعالى: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). سورة الأحزاب: 32-33. فالأمر صريح في هذه الآية فهي قد خالفتها بكل تفاصيلها, فلم تقر في بيتها ولم تطع أمر الرسول (صلى الله عليه وآله).

([14]) يا حار: أي يا حارث وهذا ما يسمى بالترخيم في النحو العربي, ويكون في النداء بحذف الحرف الأخير من المنادى المفرد وذلك للتخفيف. ينظر: الكتاب: 2/ 184, وينظر: فقه اللغة وسر العربية: 236.

([15])نهج البلاغة، تحقيق: الشيخ قيس بهجت العطار: 765- 766.

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1200 Seconds