القلب السليم في رؤى الامام علي (عليه السلام)

600 2018-12-16


القلب السليم في رؤى الامام علي (عليه السلام)

 

الشيخ سجاد الربيعي:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه الحبيب المصطفى وآله الطيبين الطاهرين

يقول مولى الموحدين (عليه السلام) ناظرا للقلب السليم في سماته وخصائصه: (فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه ، وتجنب من يرديه ، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره  وطاعة هاد أمره . وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه وتقطع أسبابه  واستفتح التوبة وأماط الحوبة فقد أقيم على الطريق وهدى نهج السبيل)[1].

ويراد بالقلب السليم الذي أخلص العبودية لله تعالى, وهو خال من الكفر والنفاق والرذيلة, ومن سماته إذا أحب يحب في الله, وإذا كره يكره لله, وإذا أعطى يعطي لله, واذا منع يمنع لله, وهذا النوع من القلوب لا ينجو يوم القيامة إلا من جاء الله عزوجل به, وهذا هو قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[2] .

وعنه (عليه السلام): (يا أيها الناس اقبلوا النصيحة ممن نصحكم وتلقوها بالطاعة ممن حملها إليكم و اعلموا أن الله سبحانه لم يمدح من القلوب إلا أوعاها للحكمة ومن الناس إلا أسرعهم إلى الحق إجابة)[3] وقال (عليه السلام) أيضاً: (يا كميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها)[4]·

ويمتاز القلب السليم بخصائص, من جملتها:

1ـ  الانابة : له القابلية على التوبة. قال تعالى: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ)[5], ومن علامات القلب المنيب أن يكون مقبلا على الطاعة, متواضعا لله سبحانه وتعالى, ومواليا له، وتاركا لهوى نفسه.  وعنه (عليه السلام): توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب حتى الخدش و النكبة  والمصيبة فإن الله تعالى يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)[6].

وقال الصادق عليه السلام: إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه فلا يُفلح بعدها أبداً.[7] 

2ـ الاخبات : الخشوع والسكينة والطمأنينة

قال تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[8].

3ـ الوجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[9].

وقال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)[10], وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[11].

4ـ اللين: طيب المعاشرة  مع الناس ولين العريكة:  قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[12].

 

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن للقلوب شهوة وإقبالا وإدبارا فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها فإن القلب إذا أكره عمي)[13].

 

5 ـ الرحمة والرأفة: قال تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)[14].

وقال الإمام علي (عليه السلام): (لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هذَا الإنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ: وَذلِكَ الْقَلْبُ، وَلَهُ مَوَادّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَضْدَادٌ مِنْ خِلاَفِهَا، فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ، إِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضَى نَسِيَ التَّحَفُّظَ، إِنْ غَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحَذَرُ، وَإِن اتَّسَعَ لَهُ الأمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ، وَإِن أَصَابَتهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْجَزَعُ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الغِنَى، وَإِنْ عَضَّتْهُ الْفَاقَةُ شَغَلَهُ الْبَلاَءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ، فَكُلُّ تَقْصِير بِهِ مُضِرٌّ، وَكُلُّ إِفْرَاط لَهُ مُفْسِدٌ)[15].

 

الهوامش:

[1] نهج البلاغة :214 .

[2] سورة الشعراء: 89.

[3] عيون الحكم والمواعظ : علي بن محمد الليثي الواسطي ص552 , وينظر ميزان الحكمة 8 / 220 .

[4] روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه : محمد تقي المجلسي ( الأول ) الجزء : 12 ص154 , وينظر سفينة البحار 6 / 358 .

[5] سورة ق : 33.

[6] البحار : 73 / 362 ح 92 وأخرج في البحار : 73 / 350 ح 47 عن الخصال : 2 / 616 في حديث الأربعمائة مثله .

[7] الوافي ج 3 ص 167.

[8] سورة الحج : 54.

[9] سورة الانفال: 2.

[10] سورة الحج: 35.

[11] سورة المؤمنون: 60 .

[12] سورة الزمر: 10.

[13] نهج البلاغة :193.

[14] سورة الحديد: 27.

[15] نهج البلاغة: 108.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك