الجزع وآثاره السلبية في فكر أمير المؤمنين (عليه السَّلَام).

243 2019-01-29


الجزع وآثاره السلبية في فكر أمير المؤمنين (عليه السَّلَام).

 

البَاحِث: سَلَام مَكيّ خُضيّر الطَّائِيّ.

 

الحمدُّ لله ربِّ العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق أجمعين أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللعن الدَّائم على أعدائهم من الأوَّلين والآخرين إلى قيامِ يومِ الدِّين.

 

أمَّا بعد...

 

فإنَّ الصِّفات المصاحبة للإنسان تكون أمَّا إيجابية أو سلبيَّة، ومن هذه الصّفات: صفة الجزع، وهذا كلام الله عزَّ وجلّ يمحق هذه الصفة السلبية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾[1]، ولكن لم يترك هذا التعميم قائم بل أردف استثناء مهما ليوازن المسألة بقوله تعالى من السورة نفسها: ((إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ))([2])،  فالإنسان عندما تحلّ به ظروف ومصائب تجعله في بعض الأحيان يصل إلى حدّ الجزع،  فيكون جزع المرء أحياناً لا يغضب الله تعالى أي ليس على الأمور الدّنيوية، فمثلاً يكون على ما يحلّ بأولياء الله الصَّالحين كالنَّبيّ مُحَمَّد وآله الأطهار(عليه وعليهم الصَّلَاة والسَّلَام)، فهنا الجزع جائز وصاحبه مأجور عليه بإذن الله تعالى، ودليلنا عليه ما روي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) وهو يدفن النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فقال: (إنَّ الصَّبر لجميل إِلَّا عنك، وإنَّ الجزع لقبيح إِلَّا عليك، وإِنَّ المصاب بك لجليل، وإِنَّه قبلك وبعدك لجلل)[3].

 

أمَّا النَّوع الآخر من الجزع وهو محور موضوعنا هذا وهو الجزع على ما يحل بالإنسان من أمور تجعله يجزع مما هو فيه، فيكون بفعله هذا لا ينال الأجر على مصيبته أو على ما حلَّ به، فالإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) يحذرنا من هذا الجزع وبيَّن لنا في أقواله سلبيَّات الجزع  على الأمور الدّنيوية وما يترتب عليه من آثار، فقال (عليه السَّلَام): (الجزع أتعب من الصَّبرِ)[4]، ففي هذا القول يحذرنا (عليه السَّلام) من الجزع لما وتنتج عنه آثار سلبية سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وفيه أيضاً هلاك المرء إن لم يتحلَ بالصبر والإيمان والتَّوكّل على الله تعالى والإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، فروي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام): (الجزع هلاك)[5]، فهذا أمر ثانٍ يحذرنا منه (عليه السَّلَام).

 

وأيضاً إنَّه منقصة الإنسان، فروي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) في هذا الشأن إذ إنَّه قال: (الجزع منقصة)[6].

 

وكذلك إنَّ الجزع يكون سبباً في قطع الأمل بالخالق عزَّ ذكره ،ويقلّل من أهمية العمل الصَّالح للفرد ويجعله يعيش في همٍّ وغم من جراء فعله هذا، فروي عن سيِّد الوصيّين الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أنَّه قال محذراً من جزع الإنسان: (إياك والجزع، فإنَّه يقطع الأمل، ويضعف العمل، ويورث الهم)[7].

 

ومن الآثار السّلبيَّة الناتجة والمترتّبة على الجزع: إنّه إذا جزع ولم يتماسك شعوره ويسطر عليه بصبره وإيمانه بالله تعالى ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) والتّحلِّي بصبر آل البيت (عليهم السَّلَام) على مصائبهم والتأسي والاقتداء بهم، فتتضاعف عليه مصيبته ،

 

وروي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (الجزع عند المصيبة يزيدها والصَّبر عليها يُبيدها)[8]، وكذلك أن جزع المرء على مصيبته يصبح عليه أشد مما هو فيه من مصيبة وحزن، فبهذا الشَّأن روي عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): (الجزعُ عند المُصيبة أشد من المُصيبة)[9]، فيعظم عليه الأمر ويصبح يمر بمحنة بالإضافة إلى محنته ومصيبته وهي محنة الجزع، فروي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أنّه قال: (الجزع يعظّم المصيبة)[10].

 

 ومن آثار الجزع أَنَّه يحبط أجر صاحب المُصيبة، فروي عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (الجزع لا يدفع القدر ولكن يحبط الأجر)[11]، وذلك لأنَّ ما حدث له تقدير من الله تعالى يقدّره على عبده لا من تقدير البشر، لا يبعد هذا القدر عن صاحبه، وبجزعه هذا يعذب نفسه خسر أجره وثوابه، وبجزعه يصبح غير مأجور على مصيبته، فقال (عليه السَّلَام): (من جزع فنفسه عذّب، وأمر الله سبحانه أضاع، وثوابه باع)[12].

 

 فيجب على المؤمن إذا أراد أن يتغلَّب على الجزع أن يكون متحلّياً بالصبر والإيمان بالله تعالى وقدره؛ ليتجاوز ما حلَّ به من مصيبة ومن حزن وظروف عصيبة، فقال الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): (اغلبوا الجزع بالصّبر)[13]، لينال الصابر على المصيبة الأجر والثَّواب من الله تعالى، وإلَّا يحُرَمُ من نواله الأجر بسبب تغلّب الجزع عليه، فروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (من ملكه الجزع حرم فضيلة الصبر)[14].

 

وفي الختام نسأل الله تعالى ألَّا يسلب منّا نعمة الصَّبر وأن يجعلنا من المتأسين بمصاب العترة الطَّاهرة (صلوات الله تعالى عليهم)، والحمد لله ربّ العالمين والصَّلَاة على خير الأمد مُحمد وآله الذين لا يقاس بهم مما خلق الله تعالى أحد، واللعن على أعدائهم إلى الأبد.

الهوامش:

[1] المعارج: (19-21).

([2]) سورة المعارج:22- 23.

[3] ميزان الحكمة لمُحَمَّد الرّيشهري:1/380.

[4] غرر الحكم ودُرر الكَلِم لعبد الواحد التّميمي الآمدي: 25.

[5] عيون الحكم والمواعظ لِعلَي بن محمد الليثي الواسطي: 37.

[6] عيون الحكم والمواعظ لِعلَي بن محمد الليثي الواسطي: 37.

[7] ميزان الحكمة لمُحَمَّد الرّيشهري:1/380.

[8] ميزان الحكمة لمُحَمَّد الرّيشهري:1/380.

[9] غرر الحكم ودُرر الكَلِم لعبد الواحد التّميمي الآمدي: 25.

[10] غرر الحكم ودُرر الكَلِم لعبد الواحد التّميمي الآمدي: 25.

[11] غرر الحكم ودُرر الكَلِم لعبد الواحد التّميمي الآمدي: 25.

[12] عيون الحكم والمواعظ لِعلَي بن مُحمد الليثي الواسطي: 463.

[13] ميزان الحكمة لمُحَمَّد الرّيشهري:1/380.

[14] عيون الحكم والمواعظ لِعلَي بن محمد الليثي الواسطي: 442.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك