من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): الجيش

مقالات وبحوث

من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): الجيش

640 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-01-2022

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
* الجيش
كثيراً ما يُردد البعض – وما أكثرهم بقولهم: متى حكم علي عليه السلام وقد كانت مدة تسلمه للخلافة أغلبها حروب!
نقول: هذا ما أرادته ودأبت عليه الدولة الأموية، لكي تثبت عدم أهلية الإمام علي عليه السلام للحكم، وكونهم السبب المباشر في إشغال مدة حكم الإمام عليه السلام بالحروب، فأيهما أهم تطهير الداخل أم الفتوحات فيما كان عهد الذين سبقوا الإمام عليه السلام في الحكم عهد فتوحات إسلامية بينما كانت خلافته عهد حروب داخلية، فهل لهذا ميزة لغيره عليه؟[1].

فيأتي الجواب: إن الفتوحات ليست ضرورة من ضرورات وجود الدولة الإسلامية، بل هي تزيد في قوتها وقدرتها، أما إخماد الفتن الداخلية فهو ضرورة يتوقف عليها وجود الإسلام ودولته، لأن بقاء هذه الفتن إنما يحرف الإسلام عن مساره الصحيح، أو يقسم المسلمين على نصفين متحاربين حتى يُفني بعضهم بعضًا فينعدم وجود الإسلام[2].

وسنسلط الضوء على هذه المؤسسة في فكر الإمام عليه السلام.
تفادي القتال وعدم البدء به:
لقد كان الإمام علي عليه السلام لا يبدأ أحداً بالقتال أبداً إنما يدعوهم الى الحق فإن رفضوا ذلك تركهم حتى يبادروا هم بالقتال، وذلك لأن الإمام عليه السلام أراد أن يجتنب سفك الدم من جهة وهدايتهم من الضلال من جهة أخرى. هذا ما ميز فكر الإمام عليه السلام عن غيره.
فمن كلام له وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام:
«إِنَّ اسْتَعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لاِهْلِهِ عَنْ خَيْر إِنْ أَرادُوهُ، وَلكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لجرير وَقْتاً لاَ يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً، وَالرَّأْيُ مَعَ الاْنَاةِ، فَأَرْوِدُوا، وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الاْعْدَادَ. وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الاْمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَلِي إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ»[3].

وقال الإمام عليه السلام وقد استبطأ إذنه لهم في القتال:
«فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا»[4].

وفي موضع آخر يقول:
«ولكن إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل، فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا، ويبدأني بها الى البقية فيما بيننا رغبنا فيها، وأمسكنا ما سواها!»[5].

وقوله في طلحة والزبير:
«ولقد استثبتهما قبل القتال، واستأنيت بهما أمام الوقاع، فغمطا النعمة وردا العافية»[6].
وقد أكد الإمام عليه السلام حبه للسلام، وحرصه على هداية الناس، فقال: وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم:
«إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وضعتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»[7].
على حين أوصى الإمام عليه السلام بعدم بدء القتال:
«وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ، قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالاِْعْذَارِ إِلَيْهِمْ...»[8].

ووصية أخرى في ساحات الحرب وقد اوشكت الحرب على الوقوع:
«لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّة، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ»[9].
هذا وقد أوصى الإمام عليه السلام لابْنِهِ الْحَسَن عليه السلام فقال:
«لا تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ وإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاغٍ والْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ»[10].

قتال المخالفين:
بين الإمام علي عليه السلام مسوّغات القتال من خلال نهج البلاغة وصورها بأدق التفاصيل وذلك بقوله:
«وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ، وَخَابَطَ الغَيَّ، مِنْ إِدْهَان وَلاَ إِيهَان»[11].

فقد وضح بأن الخروج للقتال إنما لنصرة الحق ودحض الباطل:
«أَمَا وَاللهِ إنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، مَا عَجَزْتُ، وَلاَ جَبُنْتُ،وَإِنَّ مَسِيرِي هذَا لِمثْلِهَا،فَلأنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ»[12].

فيما قال عليه السلام:
«وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الاْمْرِ وَعَيْنَهُ، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَلِي إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم»([13]).

الهوامش:
[1] بيضون، تصنيف نهج البلاغة، ص499.
[2] بيضون، تصنيف نهج البلاغة، ص499.
[3] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، كلام (43)، 2/535.
[4] المصدر نفسه، كلام (54)، 4/271.
[5] ابن أبي الحديد، (121)، 7/216.
[6] المصدر نفسه، (137)، 5/29.
[7] المصدر نفسه، (199)، 11/18.
[8] المصدر نفسه، خطبة (251)، 13/225.
[9] ابن أبي الحديد، خطبة (253)، 13/345.
[10] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، قصار الكلمات (230)، 11/59.
[11]المصدر نفسه، خطبة (24)، 1/208.
[12] المصدر نفسه، خطبة (33)، 2/435.
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص 249-252.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1476 Seconds