مناقشة أقوال الآلوسي في تفسيرقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. ثالثاً: قوله (أن الوراثة في المال ليست حقيقة، وإنما لغلبة الاستعمال) وبيان مغالطته.

مقالات وبحوث

مناقشة أقوال الآلوسي في تفسيرقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. ثالثاً: قوله (أن الوراثة في المال ليست حقيقة، وإنما لغلبة الاستعمال) وبيان مغالطته.

1K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 06-07-2023

بقلم: السيد نبيل الحسني.

في المورد الثالث الذي يدافع فيه الآلوسي عن خصوم فاطمة عليها السلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 22] وقوله سبحانه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:6].
فيقول: (لا نسلّم كون الوراثة حقيقة في المال فقط، بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصاً بالمال، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية، سلّمنا أنه مجاز، ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصاً في استعمال القرآن المجيد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ و﴿أورثوا الكتاب﴾ [الشورى: 14] إلى غير ما آية)[1].

أقول:
لم يزل الآلوسي يعتمد منهج التغليط والتناقض بل والتدليس على القارئ ، فمرة يسلّم بأن الوراثة في العلم مجازية، وأخرى لا يسلّم ويجعله مساوياً في الحقيقة للمال والمنصب، موهماً نفسه بأن مقاصدية الآيات هو الوراثة الحقيقية في العلم، وقد مَرَّ نقاش الاستشهاد بهذه الآيات في المسائل السابقة وبَيّنا أن حصرها في دفع الإرث في الأموال بين الأنبياء (عليهم السلام) معارض للقرآن والسُنَّة النبويّة واللغة .
وقد ذكرنا في الفقرة الثانية من مناقشة أقوال الراغب الأصفهاني الذي أستدل ببعض الآيات في بيان حقيقة الإرث، فقلنا حينها:
إنَّ التغليط والتخليط في معاني الإرث ودلالاته في القرآن قد بدت جلية في كلام الراغب الأصفهاني، فمن استدلاله بالأحاديث النبوية على أن الإرث هو: (العلم، وأنّ الأنبياء لا يورِّثون)، إلى القول:
(بأنّ الله تعالى وصف نفسه بأنه الوارث من حيث أن الأشياء كلها صائرة إليه) إلى قوله بذكر بعض الآيات في الإرث، فكان منها ما ذكره الألوسي –موضع البحث-.
ومن ثم: فما علاقة مفهوم صيرورة الأشياء وانتقالها إلى الله تعالى بمفهوم أن الإرث فيما بين الأنبياء (عليهم السلام) هو العلم؟!!
وبين قوله عز وجل: ﴿وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ و﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
والسؤال الذي يفرضه البحث: مَنْ هو الوارث الموصوف بصيرورة الأشياء وانتقالها إليه، أهو الله تعالى أمْ عباده الصالحون؟!!، وهل هو العلم وحده أمْ أن الأشياء كلها مردها الى الله تعالى؟!!
فمما لا ريب فيه أن الله تعالى هو الوارث الحقيقي، وأن جميع الأشياء صائرة إليه سواء كانت المال أو العلم أو المنصب أو غيرها ، ومن ثمَّ لا علاقة لما ذكره الراغب الأصفهاني ومن تبعه من أعلام أهل السُنّة والجماعة كالآلوسي بأن الوراثة بين الأنبياء بالمال كانت على المجاز وليست على الحقيقة لأن الله هو الوارث وإلاّ لبطلت جميع أحكام الإرث في الإسلام فهو من أعظم المغالطات في تصريف الآيات بما تهوى الأنفس .
2- وثمّتَ سؤال أخر يفرضه البحث : أيكون الآلوسي وأشياخه من أعلام أهل السُنّة والجماعة أفهم من أبي بكر في الوراثة الحقيقية والمجازية؟!!
وذلك أنّ ما شَجَرَ بينه وبين بضعة النبوة فاطمة (عليها السلام) هو أموال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرد عليها: بأن النبي (لا يورِّث مالاً، فما تركه صدقة).
أو أنّه أفهم من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) اللآتي وصَفَهُنَّ (بالأزواج الطاهرات) فهؤلاء الأزواج (الطاهرات) أردنَ أن يبعثنَ عثمان بن عفان الى أبي بكر، وفي لفظ آخر أرسلنّه إليه ليسألنّهُ ميراثهن من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمنعتهنّ عائشة قائلة (أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه[وآله] وسلم): (لا نورث. ما تركنا فهو صدقه )[2]؟!! .
وعليه: فإن القول: بأن الوراثة في المال ليست حقيقة وأنما لغلبة الاستعمال ، هو معارض لسُنّة أبي بكر وأزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولمِا طالبت به بضعة النبوة فاطمة (عليها الصلاة والسلام) في ظلامتها .
ومِنْ ثمَّ : لا يمكن دفع التوارث بين الأنبياء عليهم السلام في الأموال بعد إقرار القرآن والسُنّة واللغة بذلك ، إلا أن الحقيقة المرّة والتي لا مفرَّ منها ، هي : تضافر الأمة على هضم فاطمة (عليها السلام) وقد تجلّت في دفاعهم عن خصومها والانتصار لهم ، وهو ما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، بعد أن واراها في الثرى ، فحوّل بوجهه إلى الروضة النبوية الشريفة ، فقال:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه عَنِّي، والسَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ وزَائِرَتِكَ والْبَائِتَةِ فِي الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ...»[3] إلى أن يقول:
«وسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ [عليَّ] وعَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ واسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ»[4] «فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا ، وستقول ، ويحكم الله ، وهو خير الحاكمين»[5] . [6]

الهوامش:
[1] تفسير الآلوسي: ج4 / ص 219.
[2] الموطأ ، مالك بن أنس : ج2 / ص993
[3] الكافي ، الكليني : ج1 ص458 ؛الأمالي ، الشيخ المفيد: ص283؛  نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة رقم 202 .
[4] نهج البلاغة، الشريف الرضي: الخطبة رقم: 202
[5] الأمالي ، الشيخ المفيد : ص282
[6] لمزيد من الاطلاع ، ينظر : معارضة حديث لا نورث للقران والسُنّة واللغة، السيد نبيل الحسني: 213 / 214، إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، ط1 دار الوارث كربلاء - 2021م – مع بعض التصرف والإضافة- .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.9725 Seconds