ألفاظ الأشجار والثمار والأزهار في نهج البلاغة: 11ـ الشًجَر:

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

ألفاظ الأشجار والثمار والأزهار في نهج البلاغة: 11ـ الشًجَر:

52 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-01-2026

بقلم: د. سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

اما بعد:
وردت هذه اللفظة ثلاثا وعشرين مرة في النَّهْج،  وهو مبين في الجدول الآتي ([1]):

ورد لفظ (شَجَّر) ليدل على معنيين: 
1) المعنى الحقيقي:  وهو الشَّجر المتعارف عليه،  ورد قوله في صفة (أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ»([2])،  فقد شبههم بالشَّجر المتمايل في الرِّيح العاصف. فاذا ذكر الله مادوا كالشَّجر بالريح العاصف خوفاً من عقاب ربهم فتارة يكون ميدانهم وقاقهم عن خوف الله وتارة عن ارتياح واشتياق الى ما عنده من عظيم([3]).

وقال في بيان خلقة السَّماء والكون: «فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلاَفِ هذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» ([4])، فقد قدَّم الشَّمس للاهتمام على القمر، ففيها ما فيها من طلوع وغروب لإقامة الليل والنهار، وقدَّم النبات على الشَّجر: ففي النبات ثمار للغذَّاء والأتبان للعلف والخشب للوقود، واللُّحاء والورق والأصول والعروق والصموغ؛ لضروب من المنافع([5]).

  وجاء الجمع (الأشجار) على زنة (أفعال) معرفا بـ(ال)  جمعا للقلة ست مرات معَّرفا ب(ال)،  الا في موضع واحد نكرة،  مخصصة بالوصف بواسطة الجملة الفعلية:  (غيبت عروقها في كثبان المسك)  في قوله:  (صفة الجنة):» وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَار غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا »([6]).  

وفي هذا دلالة على ان أمير المؤمنين (عليه السلام) في درجة متوسطة فمعرفة حال هذه الجنة فهو من جهة يعرف أوصافها من خلال القران الكريم والأحاديث الشريفة ومن جهة اخرى يخفى عليه اكثر أحوالها. 

2) المعنى المجازي:  أطلقه الإمام ليقصد به معانٍ مجازية منها (أنَ لكلِّ إنسان شجرة،  او وصفاً للإسلام،  أو لبيان صنف الأنبياء)  فجاء مجموعاً على زنة (فَعَل) معرَفا بـــ(ال) منها قوله في آل محمد (صلَّى الله عليه وآله وسَلَّم)  قائِلاً: «عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ،  وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الاْسَرِ،  وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ» نَبَتَتْ فِي حَرَم،  وَبَسَقَتْ فِي كَرَم،  لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ،  وَثَمَرٌ لاَيُنَال » ([7]).

  نجد المقابلة بين الإسمين (الأسر والشَّجَر)؛ لمَا فيهما من تقارب وتشابك، فالتقابل الدِّلالي حصل بالجملة الإسمية (أسرته خير الأسر)، وفيه مفاضلة باسم التفضيل (خير)، وبين (شجرته خيرُ الشَّجر) مفاضلة على سائر الشَّجر، والتعريف دلَّ على كون هذا الشَّجر معروفا مميزاً، وأراد بهم بني هاشم، لمَا حصل فيها من البَّركة؛ لذا وُضِعَتْ النبوةُ والإمامةُ فيهم.  فالجمل (إستودعهم. مستودع، أقرَّهم.. مستقر، عترته...العتر، شجرته...الشَّجر،  أسرته....الأسر) جناس اشتقاقي ناقص،  وظاهرة التكرار عزَّزت فاعلية المجانسة بتكرار جنس الكلمة مع ما ألحقه من تغيير،  فسَجلت هذه الأبعاد نقطة حسَّاسة تتمثل في تسليط الضوء على العبارات،  ففي التراكيب الثلاثة الأول (عترته خير العُتَّر،  أسرته خير الأسر، شجَّرته خير الشَّجر)  اعتمدت على ثلاثة أجزاء تكررت بنفس البُنية التركيبية،  ونظام صوتي ذو نهاية واحدة،  فاختلف المعنى،  واتفقت الصيغ الصرفية،  هذه المنظومة السجعية التي جاءت في سياق وصف الإمام للأنبياء وظفت خدمتها للكلام،  فالمتحدث في معرض الثناء والمدح والفخر والوصف للموصوفين،  وهذا الجو يبعث على الاستقرار النفسي مع مناخ تنغيمي مُرَصَّع بالسَّجع([8]).

  والمَشْجَرَة: أرض تُنْبِتُ الشًجَرَ الكثير، والأرض شجيرة.  وهذه أشجر من هذه: أي اكثر شجرا والشجر اصناف، فأما جلٌ الشًجَر فعِظامه وما بقى على الشتاء، وأما دقٌ الشجر فصنفان: أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، وما ينبت من الحب كما ينبت من البقل، وفرق ما بين الشجر والبقل، ان الشجر يبقى له ارومة على الشتاء ولا يبقى للبقل شيء ([9]).

 فـ» الشين والجيم والراء اصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علو في شيء وارتفاع.  فالشَجر معروف، الواحدة شجَرة، وهي لا تخلو من ارتفاع وتداخل أغصان.  ووادٍ شَجِرٍ.  والشًجَر: كلٌ نبتٍ له ساق» ([10]).
قال تعالى {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۞ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}([11])
 والشجرة الواحدة تجمع على الشجر والشجرات والأشجار، والمجتمع الكثير منه: شَجْرَاءُ. والشًجَـرُ من النبات؛ ما قام على ساق، وابدلوا الشين من الجيم فقالوا: شِيَرَة، ولا يقال للنخلة شَجَرة([12]))([13]).

الهوامش:
([1]) ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة:  983.
([2]) نهج البلاغة:  خ 97،  100.
([3]) ظ:  شرح نهج البلاغة:  البحراني:  2 / 426.
([4]) نهج البلاغة:  خ 185،  196.
([5]) ظ:  بهج الصباغة:  7 / 113.
([6]) نهج البلاغة:  خ 162،  172.
([7]) نهج البلاغة:  خ 94،  97   وخ 161،  163.
([8]) ظ:  المستويات الجمالية في نهج البلاغة:  106.
([9]) ظ:  العين (مادة شجر):  6 / 30 ـ 31.
([10]) ظ:  مقاييس اللغة:  3 / 246.
([11]) الرحمن / 5 ـ 6.
([12]) ظ:  لسان العرب (مادة شجر):  4 / 2198.
([13])  لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 303-306.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.6461 Seconds