من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 2- الخَسْف

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 2- الخَسْف

18 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 10-05-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ((مَنْ تَرَك الجِهاد ألْبَسَه اللهُ الذَلَّة وسِيمَ([1]) الْخَسْف))([2]). وعن أمير المؤمنين في الجهاد: ((مَنْ تركه رغبةً عنه ألْبسه الله ثوب الذلّ... و سِيْمَ الخَسْفَ))([3])

المفردة الغريبة التي وردت في حديثه(الخَسْف) من أصل (خَسَفَ). قال ابن منظور)( الخَسْف فِي الدَّوابّ: أَن تُحْبَسَ الدابة عَلَى غَيْرِ عَلَف. والخَسْف: النُّقْصان. يُقَالُ: رَضِيَ فُلَانٌ بالخَسْفِ أَي بالنَّقِيصة))([4])، والجمع: خُسُفٌ، ككُتُبٍ([5])، والخَشْفُ مِثْلُ الخَسْفِ وَهُوَ الذُّلّ([6]).

قال ابن قتيبة، وتبعه ابن الأثير: (( أصل الخسف أن تحبس الدابة على غَيْرِ عَلَفٍ، ثُمَّ يُسْتَعار فيوُضَع مَوْضِع التذليلِ والهَوَانِ، وَأشْبَاه ذلِكَ لِمَا كُلِّفَ وأُلْزِم...))([7])،ونص الزمخشري في أساسه على الاستعمال المجازي لهذه اللفظة بقوله: ((ومن المجاز سامه خسفا، وذلاً، وهواناً)) ([8])ومما يلحظ انتقال اللفظة من الدلالة الحسية الى الدلالة المعنوية عن طريق الاستعارة لعلاقة المشابهة؛ ولأن حبس الدابة فيه إذلال ومهانة وانتقاص لحقها كما فسرها الأصمعي بالنقصان فهذا يدلُّ على أنّ هناك تطوراً في الدلالة، ومن الطبيعي أنّ الألفاظ تتبدل معانيها خلال الزمن، والتراكيب لا تبقى ثابتة على مرِّ السنين بل تتحول وتتبدل([9])، فانحازت هذه اللفظة وأصبحت لها دلالتان: الأولى: الدلالة الأصلية وهي الدلالة اللغوية، والثانية: وهي الدلالة المتطورة التي تدل على الذل والهوان.   

وفي موضع آخر ذُكِرَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الفِتَن قوله: ((يفرجها الله... بمن يَسُومهم([10]) خَسْفا ويَسُوقهم عُنْفا))([11])، أي: بمعنى يولّيهم ذلاًّ، وهوانا([12])، وعنه (عليه السلام) في بني اُميّة ((أما والله ليهْلكنَّهم منّا رجال ورجال يسومونهم الخَسْف حتى.....))([13])، أي: يولوهم الذّلّ، والمهانة([14]).

الهوامش:
([1]) السَّوْمُ: (أَن تُجَشِّمَ إِنساناً مَشَقَّةً أَو سُوءًا أَو ظُلْمًا) لسان العرب: (سوم)12/324، وقال ابن الأثير في النهاية: (وَأَصْلُهُ الْوَاوُ فَقُلِبَتْ ضمُة السِّينِ كَسْرَةً، فَانْقَلَبَتِ الواوُ يَاءً). 2/31.
([2]) الفائق في غريب الحديث: 2 /208، النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/31،2/426، لسان العرب: 9/69، تاج العروس: 32/430، وذكر ابن قتيبة تتمة الحديث (وديث بالصغار). غريب الحديث: 2/411، وينظر: غريب الحديث: ابن الجوزي: 1/277.
([3]) غريب الحديث في بحار الأنوار: 1/411.
([4]) لسان العرب: (خسف)9/69.
([5]) ينظر: تاج العروس: (خسف)23/203.
([6]) ينظر: تهذيب اللغة: (خشف)7/43. 
([7]) غريب الحديث: 2/411، وينظر: النهاية في غريب الحديث: 2/31.
([8]) أساس البلاغة: (خ س ف)1/246.
([9]) ينظر: التطور الدلالي للألفاظ في النَّص القرآني (دراسة بلاغية): د جنان منصور كاظم، اطروحة: 9.
([10]) قال الزبيدي: (سَامَ يَسُومُ سَوْمًا، أي: بمعنى كُلِّفَ وجَشَّمَ وأَلْزَمَ) تاج العروس: (سوم)32/430.
([11]) غريب الحديث في بحار الأنوار: 1/411.
([12]) ينظر: م ن: 1/411.
([13]) بحار الأنوار: 32/592.
([14])  لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص244-245.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3653 Seconds