ثورة عاشوراء بين إصلاح الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) وجرم الأمويين (لعنهم الله)

مقالات وبحوث

ثورة عاشوراء بين إصلاح الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) وجرم الأمويين (لعنهم الله)

260 مشاهدة

الباحِث: سَلَام مَكِّيّ خضيّر الطَّائِيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا ونبيّنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين الغرّ الميامين المنتجبين، واللّعن الدَّائم على أعدائِهم من الأوَّلين ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهَار إلى قيام يوم الدِّين...

أمَّا بعد...

ففي بداية كلّ عام هجري تتشح الأمّة الإسلاميّة بالسَّواد، معلنةً حلول شهر محرَّم الحرام، وهو شهر الحزن والآلام والمصائب على آل البيت (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام) وشيعتهم ومُحبّيهم ومواليهم، وذلك لما حلَّ بأهل بيت النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وذراريه (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام) من القتل والأسر والسَّبيّ والظّلم وغير ذلك.

ففي هذا الشهر حلَّت فاجعة عظيمة، وهي ثورة إصلاحية، زُهِقت فيها أرواح وسالت دماء وقُطّعت رؤوس، لم تحدث في تأريخ البشرية مثلها، وهي: (فاجعة طف كربلاء)، وهي ثورة علويَّة مُحَمَّديَّة، وكان قائدها سيِّد الشُّهداء الإمام الحُسَين بن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليهما الصَّلَاة والسَّلَام)، ومعه أهل بيته وأنصاره (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام)، فجاء بهم الإمام الحُسَين بن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليهما الصَّلَاة والسَّلَام) إلى كربلاء، متحمّلًا شقاء الطَّريق ووعورته، معلنًا الثَّورة الإصلاحيَّة على الظّلم والفساد الذي ساد البلاد آنذاك ممثلا ببني أمية وما فعلوه، فروي عنه (عليه الصَّلَاة والسَّلَام): (إنِّي لم أخرج أشرًا وبطرًا، ولا ظالمًا ولا مُفسِدًا، إنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّيّ (صلَّى الله عليه وآله)، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)[1].

 فلم تثنيه (عليه الصَّلَاةِ والسَّلَام)، حِيَل بنيّ أُميَّة وألاعيبهم وعروضهم التي عرضوها عليه (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) وقدّموها له، مقابل أن يتنازل عن أمر الثّورة، فأبى (صلوات الله تعالى وسَلَامه عليه)، أن يتنازل عن أمره الذي خرج فيه ويكف عنه، فهو (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) لم يعلن عزمه على حرب شخص معيَّن، كيزيد بن معاوية –لعنة الله تعالى عليه- مثلاً، كما أنّه (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) لم يجعل من حركة ثورته ضد الباطل هدفًا لإسقاط الحكم الأموي والنّظام القائم، بل أعلن: أنَّه هدفه هو الإصلاح في أُمَّة جدّه المُصطَفَى (صلَّى الله عليه وآله)، ومن أجل تطبيق أوامر الدِّين الإسلامي وقيمه الإنسانية وتعاليمه السَّمحاء، والالتزام بالحدود الشَّرعية التي رسمها القانون الإلهيّ.

 فليس الإصلاح والأمر المعروف والنَّهي عن المنكر، هو رغبة شخصيَّة في نفس ذلك الفرد أو مسألة عنصرية أو عشائريَّة، وإنَّما هو أمر مشروع وواجب على كلّ من كان قادرًا على القيام به، انطلاقاً من الحق وانسجاماً معه، فالإمام الحُسَين بن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليهما الصَّلَاة والسَّلَام) عندما خرج للإصلاح قال[2]: (فمن قبلني بقبول الحق)[3]، فإنَّ قبول الحق هو عمل خير صالح يقبله الله تعالى ويحبّه، ليس فيه ضرر ينعكس على من قبله، ولا يعود نفعه إلى الإمام الحُسَين بن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) كشخص، ولذلك قال (صلوات الله تعالى وسلامه عليه)[4]: (فَالله أَولَى بالحَقِّ، وَمَنْ ردّ عَلَيَّ هَذَا أَصبر)[5]، فلم يقل (عليه الصَّلَاة والسَّلَام): أحارب من ردّ عَلَيّ هذا الأمر الإصلاحي وأعاديه، بل هو قد أرجع الحكم في ذلك الأمر إلى الله (سبحانه وتعالى) ولا بد أن يسعى إليه كلّ من تسلَّم منصبًا حكوميًّا أو كانت له زعامة دينية، ويتحمل المسؤولية الشرعية والإنسانية[6].

موقف الحكومة الأمويَّة من ثورة الإصلاح:

قابلت الحكومة الأمويَّة المتمثّلة بيزيد وأعوانه -لعنهم الله تعالى-، بالوقوف بوجه الحقّ ومحاربته، لأن في أمر الثّورة ضربة لمصالحهم الدّنيويَّة، كالفسق والفجور وشرب الخمر ومجالس اللّهو والطَّرب وممارسة الرَّذيلة وقتل النَّفس المحترمة وغيرها من الجرائم الأمويَّة، فإنَّهم كانوا على علم بأنه إذا استتبّ الأمر لقيام الثّورة الحُسَينيَّة واستمرارها، فمن الطَّبيعيّ أنَّ من أهدافها إصلاح المجتمع بكافَّة طوائفه وقومياته ومحاربة جميع ما ذكر من أنواع الفساد، فهذا يؤثر سلبًا على ما يرومون الاستمرار عليه، فالإمام الحُسَين (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) خرج مُصلحًا وليس ظالمًا أو مفسدًا، وهذا الأمر لا ينسجم مع مآربهم الدّنيّوية، فقاموا بمحاربته (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) والوقوف بوجه الثَّورة الهادفة للإصلاح، وبمقابلتها بأقسى الأساليب القمعيَّة الوحشيَّة، كقطع الماء عن عيال الإمام الحُسَين وأهل بيته وانصاره (عليه وعليهم الصَّلَاة والسَّلَام أجمعين) وغيرها من الأساليب الأخرى فكانوا يرجون بتلك الأساليب أن يستسلم الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) ويتراجع عن أمر الثَّورة الإصلاحي.

 فلَّمَّا رأوا ثباته وعزمه على الإصلاح الإنساني، قاموا بفعلتهم الدَّنيئة في يوم عاشوراء في معركة طف كربلاء بقتل ذريَّة رسول الإنسانيَّة والسَّلَام النَّبيّ مُحَمَّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله)، وسبيهم، ولم يسلم من جرمهم حتَّى الطّفل الرَّضيع وهو عبد الله الرَّضيع أو عَلِيّ الأصغر بن الإمام الحُسَين (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام)، فذبحوه -لعنهم الله تعالى- من الوريد إلى الوريد، فهذه جريمة لا تغتفر، بالإضافة إلى ذلك قاموا –لعنهم الله تعالى- بقطع رأس الإمام الحُسَين (عليه السَّلَام) ورضّ جسده الطَّاهر بحوافر الخيول، وقطع رؤوس الشُّهداء، وأخذها مع رأسه (عليه الصَّلَاة والسَّلَام) الطَّاهِر وركب عوائله الأُسارى (عليهم السَّلَام) إلى بلاد الشَّام، إلى قصر طاغية العصر آنذاك يزيد بن معاوية –لعنهما الله تعالى-، وإلى غير ذلك من الجرم الأموي بحق العترة الطَّاهرة (عليهم الصَّلَّاة والسَّلَام) من ذراري رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأنصارهم ومن تبعهم.

 فأي جريمة قاموا بها حكّام الدَّولة الأمويّة من اغتصاب الحق العلوي الشَّرعيّ في أمر التَّولّي على الأُمَّة الإسلاميَّة وإدارة شؤونها، وقتل أبناء بضعة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فَاطِمَة الزَّهْرَاء، وأبناء أخيه الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليهما أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)؟

فهذا شيء يسير عن ثورة طف كربلاء ومشروعيتها وإصلاحها للمجتمع، وعن أسلوب القمع والبطش الإجرامي المعادي للخط العلويّ النَّبويّ، وأن الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيّدنا ونبيّنا وحبيبنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، الغرّ الميامين المنتجبين، واللّعن الدَّائم على أعدائِهم وناكري مكانتهم وغاصبي حقّهم، من الأوَّلين الآخرين، ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهار، إلى قيامِ يوم الدِّين...

الهوامش:
[1] مختصر مفيد، السَّيِّد جعفر مرتضى العاملي: 1/69.
[2] يُنظر: مختصر مفيد، السَّيِّد جعفر مرتضى العاملي: 1/70.
[3] ليلة عاشوراء في الحديث والأدب، الشَّيخ عبد الله الحَسَن: 105.
[4] مختصر مفيد، السَّيِّد جعفر مرتضى العاملي: 1/70.
[5] بحار الانوار، العلَّامة المجلسي: 44/330.
[6] يُنظر: مختصر مفيد، السَّيِّد جعفر مرتضى العاملي: 1/69.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1015 Seconds