من مقاصدية مخاطبة الإمام علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند دفن فاطمة (عليها السلام) إن حرمة النبي (صلى الله عليه وآله) حياً كحرمته ميتاً.

علي ومعاصروه

من مقاصدية مخاطبة الإمام علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عند دفن فاطمة (عليها السلام) إن حرمة النبي (صلى الله عليه وآله) حياً كحرمته ميتاً.

627 مشاهدة

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.
وبعد:
إن دراسة الخصوصيات النبوية التي أظهرها القرآن الكريم والسُّنة النبوية ترشد الباحث إلى بيان الحكمة في وقوف الإمام علي (عليه السلام) بعد دفنه فاطمة (عليها السلام) وهو يخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مفتتحاً كلامه بالسلام عليه ثم أفرد سلام ابنته عن سلامه على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومما لا شك فيه أن في ذلك حكمة أراد الإمام علي (عليه السلام) بيانها إلى الناس، ومنها أن حرمته (صلى الله عليه وآله وسلم) حياً كحرمته ميتاً.
فما يجري من الآداب والآثار والتشريفات والحرمة في مخاطبته حياً كذلك يجري في مخاطبته ميتاً، ولذلك أظهر الإمام علي (عليه السلام) بهذا الحديث هذه الحرمة والتشريفات، وهي كالآتي:

1- غض الصوت.
2- الابتداء بالسلام.
3- مناجاته.
3- الشكوى إليه.
4- اشهاده (صلى الله عليه وآله) على ظلامته وظلامة ابنته.

وهذا الأسلوب الكاشف عن حرمته (صلى الله عليه وآله وسلم) حياً كحرمته ميتاً قد دلّت عليه نصوص كثيرة، فمنها ما جاء به الوحي وصرح به القرآن الكريم، ومنها ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم يخرج عن الحد الذي أقره القرآن الكريم بوصفه:
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[1].
ومن هذه النصوص الكاشفة عن الملازمة بين الحياة والممات في ثبوت حرمته (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يلي:

أولا: مقام الشهودية .

1- قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[2].
وهنا يقتضي النص المبارك شهوديته على الأمة ودوام هذه الشهودية حياً وميتاً مثلما يقتضي كون هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم، فمقتضى الحال يلزم أن تكون هذه الشهودية متجددة ودائمة في كل زمان ولا ينحصر الأمر بزمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلا لتعطل مرادها وغايتها.
2- قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}[3].
{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}[4].
والآيتان المباركتان واضحتان في بيان هذه الخصيصة النبوية للمصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام الشهودية حياً كان أو ميتاً إذ لو كان الأمر محصوراً بزمانه لانعدم مفهوم الآية ومصداقها وهي تنص بوضوح على انه هو الشاهد على الامم السابقة واللاحقة في كل مكان وزمان حتى انقضاء عمر الدنيا، ولذا بين الله تعالى حال الذين كفروا وعصوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة.
من هنا: نجد أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو يُشهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جرى عليه وعلى أهل بيته، وما نزل بهم من الظلم والجور؛ وهي خصوصية انفرد بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) فهم شهداء على أممهم ما داموا فيهم، ولكن بعد موتهم ينقطع عنهم مقام الشهودية، وهذه الحقيقة أظهرها القرآن الكريم في بيان حال نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، قال تعالى:
{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[5].
في حين يكشف القرآن الكريم عن حال مختلف للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله تعالى:
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا[6].
وقوله تعالى:
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[7].
وغيرها من الآيات التي تظهر مقام الشهودية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيان حرمته (صلى الله عليه وآله) حياً وميتاً:

ثانيا: مراقبة الاعمال ورؤيتها .

جاء ذلك في قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون}[8].
والآية كاشفة عن مقام المراقبة والمتابعة للأعمال الصادرة عن هذه الأمة وإن هذه الأعمال التي هي بمشهد منه ومسمع تعرضها الملائكة بين يديه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مماته كما عرضتها عليه في حياته.

من هنا:

يتضح القصد في وقوف الإمام علي (عليه السلام) في الروضة النبوية، ومخاطبته رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واشهاده على ما جرى، والشكاية إليه، ومطالبته له (صلى الله عليه وآله وسلم) بسؤال فاطمة (عليها السلام) واستخبارها، وهو: كل ذلك يدل على الملازمة بين حرمته حياً وحرمته ميتاً، وإن هذه التشريفات الإلهية والحدود الشرعية سارية في الحالين. ([9]).

الهوامش:
[1] سورة النجم، الآية (3-4).
[2] سورة البقرة، الآية (143).
[3] سورة النساء، الآية (41).
[4] سورة النساء، الآية (42).
[5] سورة المائدة، الآية (117).
[6] سورة النساء، الآية (41).
[7] سورة النحل، الآية (89).
[8] سورة التوبة، الآية (105).
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص135-138.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1353 Seconds