القصدية في إنابة الإمام علي (عليه السلام) عن فاطمة (عليها السلام) بالسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله)

علي ومعاصروه

القصدية في إنابة الإمام علي (عليه السلام) عن فاطمة (عليها السلام) بالسلام على رسول الله (صلى الله عليه وآله)

467 مشاهدة

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

(الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم، والثناء بما قدم، من عموم نعمٍ أبتدأها، وسبوغ آلاء أسداها) وصلواته التامات الزاكيات على حبيبه وعبده ورسوله أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»([1]).
وبعد:
قال أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن وارى فاطمة (عليها السلام) الثرى:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي والسَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ»([2]).
تظهر قصدية منتج النص (عليه السلام) في فصل سلامه عن سلام فاطمة (عليها السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلال بعض المعطيات الفكرية، وهي كالآتي:
أولا: القرآن الكريم يمنع الناس من الدخول إلى بيت النبي إلا بإذن منه.
إن من التشريعات الإلهية في بيان شأنية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحرمته عند الله تعالى أن شرّع للمسلمين أحكاماً تحدد لهم كيفية التعامل مع سيد الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان منها ما ارتبط في الدخول إلى بيوته (صلى الله عليه وآله)، فقال سبحانه:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ..﴾[3].
وبيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفقه الاسلامي هي (وقف عين) في حياته وبعد مماته على حدٍ سواء، فلا يجوز لأحدٍ أن يدخل بيوت النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أن يأذن له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذه البيوت بناها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي غرف تسعَ، فأنزل فيها أزواجه، فلما توفي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقت هذه الوقفية محصورة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تنقل لأزواجه، فلا يحق لأحد منهن أن تتصرف في هذه البيوت، أو تدخل عليه أي شخص كان كما فعلت عائشة! إذ أدخلت أبيها وصاحبه عمر بن الخطاب إلى بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مخالفة صريحة للقرآن الكريم!
وعليه:
اتَّبَع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في سلامه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أمر به القرآن الكريم في أخذ الإذن في الدخول عبر السلام كما ورد في كثيرٍ من الآيات الكريمة التي أشارت إلى أن استعمال لفظ السلام مقروناً بالضمير (عليك) يراد به الإذن في الدخول ومنها قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[4]. وقوله سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾[5]

ثانيًا: أخذ الإذن في الدخول إلى الروضة النبوية لفاطمة (عليها السلام).
إن القصدية في فصله (عليه السلام) بين سلامه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلام فاطمة (عليها السلام) هو لأخذ الإذن لها في الدخول على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في روضته الفردوسية؛ ولذا تراه قال:
«السلام عليك يا رسول الله عني، والسلام عليك عن ابنتك».
إلا أن ثمة سؤال آخر لماذا يأخذ الإمام علي (عليه السلام) الإذن لفاطمة (عليها السلام) وهي ابنته، فهل هي بحاجة إلى أن يأخذ علي (عليه السلام) لها الإذن في الدخول؟
وللإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى جملة من القرائن التي تثبت أن فاطمة (عليها السلام) مع ما لها من شأنية وخصوصية وكينونية، فهي ابنته وقرة عينه وحبيبته، لكنها غير مستثناة من هذا القانون الذي يلزم كل من أراد الدخول على سيد الخلق (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستأذن منه.

فكيف يتم الاستئذان منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته؟ ولماذا الإمام علي (عليه السلام)؟ وجوابه:
لأن الإمام علي (عليه السلام) هو وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[6]، وحصر الإذن فيه يكون أمراً بديهياً كما هو ثابت في أحكام الوصية والموصى إليه.
لأنه (عليه السلام) هو خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) من بعده بالنص الإلهي[7] الذي يتهافت أمامه كل نص اقتضته المصالح العامة، أو الاستحسانات العقلية، أو الأعراف الاجتماعية، أو القواعد العشائرية.
إنَّ الإمام علي (عليه السلام) هو مولى كل مؤمن ومؤمنة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نص عليه في يوم غدير خم فقال (صلى الله عليه وآله):

«من كنت مولاه فهذا علي مولاه»[8].

إنَّ امير المؤمنين (عليه السلام) هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما نص عليه الوحي في محكم التنزيل في آية المباهلة[9]، ونصت عليه النصوص الواردة عن ثقل القرآن وترجمانه والناطقين به عترته أهل بيته (عليهم السلام)، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً[10].
فهذه القرائن وغيرها من النصوص الشريفة كلها تفيد في بيان قصدية منتج النص في فصله (عليه السلام) في سلامه عن سلام فاطمة (عليها السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما أمر الوحي ونص عليه في محكم التنزيل، فضلاً عن ذلك فالإمام علي (عليه السلام) يريد من هذا السلام ليس انحصار أمر دخول فاطمة (عليها السلام) إلى الروضة النبوية فقط، وانما الدخول إلى بيته الذي حوى في داخله قبره الشريف.
ومن ثم لم يكن دوره (عليه السلام) منحصراً في كونه الخليفة والوصي وانما هو الوحيد من له الحق في ادخال المسلمين إلى بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
بمعنى الحال يجري مجراه والحكم ثابت في الدنيا والآخرة فلا يحق لأحد أن يدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا والآخرة إلا أن يأخذ بذلك صك بإذن الدخول من علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ولعل تتبع النصوص وإيراد القرائن ليخرج البحث عن مساره ومنهاجه ولكن نكتفي بقوله (صلى الله عليه وآله) الذي أخرجه ابن المغازلي الشافعي (المتوفى 483هـ) بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«إذا كان يوم القيامة أمر الله جبرائيل أن يجلس على باب الجنة فلا يدخلها إلا من معه براءة من علي بن أبي طالب»[11].
فإذا كان هذا حال سيدة نساء العالمين وبضعة الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تدخل إلا أن يأخذ لها أمير المؤمنين عليه السلام الإذن في الدخول على أشرف الخلق وسيدهم وحبيب رب العالمين.

فكيف حال من أبغض علياً وناصبه العداء وجاهر في حربه وقتاله وقتال أهل بيته وشيعته ومحاربتهم!!؟.

إنه سؤال يحتاج إلى إعادة النظر في الحياة وتقرير المصير فإما إلى الجنة وإما إلى النار. ([12]).

الهوامش:
([1]) المصدر السابق: ص432.
[2] الكافي للكليني : ج1 ص459.
[3] سورة الأحزاب: الآية (53).
[4] سورة النحل: الآية 32.
[5] سورة الزمر: الآية: 73.
[6] ينظر ورود النص بهذا اللفظ:
الامالي للصدوق: ص354؛ شرح نهج البلاغة لأبن ابي الحديد: ج3 ص231؛ العثمانية للجاحظ: ص293؛ تاريخ اليعقوبي: ج2 ص179.
[7] الامالي للصدوق: ص354.
[8] مسند احمد: ج1 ص84.
[9] سورة آل عمران، الآية (61).
[10] سورة الاحزاب، الآية (33).
[11] مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام لابن المغازلي: ص118.
[12] لمزيد من الاطلاع، ينظر: فاطمة في نهج البلاغة تاليف السيد نبل الحسني: ج1، ص156-160، ط دار الكفيل، العتبة العباسية المقدسة.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1178 Seconds