مسلم ابن عقيل رائد الحق

علي ومعاصروه

مسلم ابن عقيل رائد الحق

الباحث: محمد حمزة الخفاجي
الْحَمْدُ لله وإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ والْحَدَثِ الْجَلِيلِ وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله لَا شَرِيكَ لَه، لَيْسَ مَعَه إِلَه غَيْرُه، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُه . . .
وبعد . . .
حينما نصل الكوفة ونرى تلك القبة الزاهرة نعرف أن تحت هذه القبة رجلًا عظيمًا ذا منزلة ومكانة سامية، فمسلم بن عقيل (عليه السلام) من الشهداء الذين خلدهم التاريخ فكان (عليه السلام) سفير الإمام الحسين (عليه السلام) وموضع ثقته، أرسله الى الكوفة ليطلع على أحوالها، فلما وصل الى الكوفة بايعه  ثمانية عشر ألفا.
هو ثقة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكان عظيمًا صلب الإيمان، ذا هيبة ووقار، ونرى ذلك جليًّا في موقفه مع ابن زياد ودفاعه عن الحسين، إذ برهن على أنه ليس رجلا عاديًا، بل هو ولي من الأولياء، وعظيم من العظماء، وشهيد نال أعلى مراتب الشهداء السعداء، حتى صار مثلًا للبطولة والفداء، لنصرته لابن سيدة النساء.
روي أنه (عليه السلام) لما أعطي الأمان بعدما قاتل قتالا شديدا دمعت عيناه فقيل له لماذا تبكي فقال إني والله ما لنفسي أبكي ولا لها من القتل أرثي وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حسين[1].
ثم قال (عليه السلام) لمحمد ابن الأشعث عليه اللعنة (يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني يبلغ حسينا فإني لا أراه الا قد خرج إليكم اليوم مقبلا أو هو خرج غدا هو وأهل بيته وإن ما ترى من جزعي لذلك.
فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشي حتى تقتل، وهو يقول : ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأى ، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك)[2].
فمثل مسلم وهو أشجع أبناء عقيل لا يقبل بالاستسلام وقد شهدت له الكوفة بشجاعته ولكنه رضي بالأمان لعله يوصل إلى الامام الحسين (عليه السلام) خبر انقلاب الكوفة لذا رضي بأمانهم.
وسبحانه وتعالى اختار له أكرم القتل في سبيله، كي يخلد اسمه ويكون من القادة الذين يذكرون على مر العصور.
يروى (لما أدخل مسلم على عبيد الله لم يسلم عليه فقال له الحرس، سلم على الأمير فقال له: أسكت ويحك والله ما هو لي بأمير فقال ابن زياد، لا عليك، سلمت أم لم تسلم فإنك مقتول فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير منى وبعد فإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السريرة ولوم الغلبة لا أحد أولى بها منك، فقال ابن زياد: يا عاق يا شاق خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألحقت الفتنة، فقال مسلم: كذبت يا بن زياد ! إنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد وأما الفتنة فإنما ألحقها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر بريته فقال ابن زياد: منتك نفسك أمرا حال الله دونه وجعله لأهله، فقال له مسلم: ومن يا ابن مرجانة ؟ فقال أهله يزيد بن معاوية. فقال مسلم: الحمد لله رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. فقال له ابن زياد: أتظن أن لك في الأمر شيئا. فقال له مسلم: والله ما هو الظن ولكنه اليقين. فقال ابن زياد: أخبرني يا مسلم بماذا أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم وفرقت كلمتهم، فقال مسلم: ما لهذا أتيت ولكنكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف وتآمرتم على الناس بغير رضى منهم وحملتموهم على غير ما أمركم الله به وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة وكنا أهل ذلك فجعل زياد يشتمه ويشتم عليا والحسن والحسين (عليه السلام)، فقال له مسلم: أنت وأبوك أحق بالشتيمة، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله فأمر ابن زياد بكير بن حمران أن يصعد به إلى أعلى القصر فيقتله فصعد به وهو يسبح الله تعالى ويستغفره ويصلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فضرب عنقه فنزل مذعورا، فقال له ابن زياد ما شأنك ؟ فقال : أيها الأمير رأيت ساعة قتله رجلا أسود سيء الوجه حذا مني عاضا على إصبعه أو قال على شفته، ففزعت منه فزعا لم أفزعه قط، فقال له ابن زياد (لعنة الله عليه) لعلك دهشت)[3].
فتلك الكلمات التي رد بها مسلم على ذلك الطاغية أوضح دليل على شجاعته فالحديث مع ظالم قاتل غاصب منتهك لحدود الله وبهذه الطريقة وعدم المبالات بالموت في سبيل الحق من أعظم الجهاد لذا استحق مسلم هذه المنزلة الخاصة عند الله وحججه (صلوات الله وسلامه عليهم).
 وقد قتل مسلم (عليه رضوان الله) بعدما غدر به أهل الكوفة ولم يبق معه مناصر ولا معين، فنال الشهادة صابرا محتسبا في سبيل الله.
وفي الختام نسال الله ان لا يحرمنا زيارة مسلم في الدنيا وشفاعته في الآخرة.
الهوامش:
[1] - ينظر: مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ص50.
[2] - المصدر نفسه:  50.
[3] - اللهوف، ابن طاووس: 35.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0852 Seconds