أعظم شاعر أنجبته العربية

الشريف الرضي

أعظم شاعر أنجبته العربية

211 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
ولدت العربية شعراء أكابر تربَّعوا على عرش البيان فيها، وكانت الكلمات تنثني لهم كما يشاؤون، والألفاظ تطيعهم بما يريدون، استحوذوا على قلوب النَّاس وملأوا مجالسهم بفنون الشعر من القول، ومن هذه النخبة شاعر ثنيت له وسادة البلاغة حتَّى صار في عصره الزعيم الأوحد، عندما يقول يصمت الآخرون استماعًا له، تتفتَّق على لسانه المعاني، وتنتظم في ذهنه الألفاظ بنظم لم يُسبق فيه، إنَّه الشريف الرَّضي، الذي قال فيه الدكتور زكي مبارك أستاذ اللغة والأدب في كتابه (عبقرية الشريف الرضي): ((طلب إليَّ أن أكتب عن أعظم شاعر أنجبته العربية؛ فكتبتُ عن الشريف الرضي))، فكان عنده (أعظم شاعر أنجبته العربية) .

وكيف لا يكون كذلك وهو من نسل الطيبين من آل محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو أَبُو الْحسن، مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى، بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم، بْن مُوسَى بن جَعْفَر، بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ، بن أبي طَالب (عَلَيْهِم السَّلَام)([1]) . ومع هذا الألق النسبي فقد جُمِع له خير أساتذة عصره، ويكفي أن يكون المفيد (رضوان الله عليه) أحد أساتذته، وفي تتلمذه على يدِ المفيد قصَّةٌ لطيفة وهي أنَّ ((المفيد رأى في منامه فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخلت اليه، وهو في مسجد بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين (عليهما السلام) صغيرين، فسلّمتهما اليه وقالت له: علمهما الفقه، فانتبه متعجّبًا من ذلك، فلمَّا تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا؛ دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها ابناها علي المرتضى ومحمد الرضي صغيرين، فقام إليها وسلّم عليها؛ فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلِّمهما الفقه، فبكى الشيخ وقصَّ عليها المنام وتولى تعليمهما وأنعم الله تعالى عليهما، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا وهو باق ما بقي الدهر))([2]) .

ولم يبدع في الشعر فقط وإنَّما كان إبداعه في صنوفٍ معرفيَّةٍ متنوِّعة فقد كان له تصانيف كثيرة ومتنوِّعة، ومنها: ((أخبار قضاة بغداد، تلخيص البيان في مجازات القرآن، حقائق التنزيل في تفسير القرآن، خصائص الأئمة، ديوان شعره أربع مجلدات، الرسائل ثلاث مجلدات، الزيادات في شعر أبي إسحاق الصابي، وشعر أبى تمام، طيف الخيال، كتاب الحسن من شعر الحسين، انتخبه من شعر ابن الحجاج، كتاب المتشابه في القرآن، مجازات الآثار النبوية، نهج البلاغة من كلام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وغير ذلك))([3]) .

توفي بكرة يوم الأحد سادس المحرم، وقيل صفر، سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره بخط مسجد الأنبارين بالكرخ، ولم يتمكَّن أخوه المرتضى أبو القاسم من مشاهدة مواراته في قبره؛ ولذلك مضى إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)؛ لأنَّه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه، وصلى عليه الوزير فخر الملك مع جماعة كثيرة([4]) .

رسَّخ الشريف الرَّضي قسمًا كبيرًا من شعره في خدمة القضايا الدِّينيَّة ومنها قضية جدَّه الحسين (عليه السلام)، فنعاه بكلماتٍ كلَّها أسىً وبكاء، فكانت عبرته تسيح بالبلاغة والبيان، ومن خير ما قال عن كربلاء نشيده فيها:

كربلا لا زلت كرباً وبلا   ***   مالقي عندكِ آل المصطفى

كم على تربكِ لما صرِّعوا   ***   من دمٍ سالَ ومن دمعٍ جرى

كم حَصان الذيل يروي دمعُها   ***   خدَّها عند قتيلٍ بالظما

تمسحُ التربَ على أعجالِها   ***   عن طُلى نحرٍ رميلٍ بالدما

وضيوف لفلاةٍ قفرةٍ   ***   نزلوا فيها على غير قِرى

لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا   ***   بجدى السيف على ورد الردى

تكسف الشمس شموساً منهم   ***   لا تدانيها ضياءً وعلا

وتنوش الوحش من أجسادِهم   ***   أرجل السبق وإيمان الندى

ووجوهاً كالمصابيح فمن   ***   قمرٍ غابَ ونجمٍ قد هوى

رحم الله الشريف الرَّضي وأعلى مقامه وزاد في حسناته، ونحن اليوم نستذكره في مناسبة وفاته فنسأل الله تعالى أن يرفع درجته في الجنَّة ويُلحقه بآبائه الصالحين. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين...
الهوامش:
([1]) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: 3/155 ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: 4/414 .
([2]) الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 459 .
([3]) هدية العارفين: 2/60.
([4]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: 4/415 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4252 Seconds