صورة النبي آدم (عليه السلام) في نهج البلاغة

1451 2017-02-01


إن الصور التي يرسمها الإمام (عليه السلام) لنا من خلال كلامه أنما هي صور تقرب مفهومه العميق في بيان وصفه لأمور غيبية، لم يتكلم عنها أي مخلوق سواه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن الصور الجميلة التي رسمها لنا الإمام (عليه السلام) صورة النبي آدم (عليه السلام) وكيفية خلقه.

ففي الخطبة الأولى من كتاب (نهج البلاغة) تكلم الإمام (عليه السلام) عن خلق آدم (عليه السلام) وقد صوَّرَ لنا أمير المؤمنين ذلك بقوله (عليه السلام): (ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَه مِنْ حَزْنِ الأَرْضِ وسَهْلِهَا، وعَذْبِهَا وسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، ولَاطَهَا بِالْبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ، فَجَبَلَ مِنْهَا صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ ووُصُولٍ وأَعْضَاءٍ، وفُصُولٍ أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ وأَمَدٍ مَعْلُومٍ)[1].

فالله سبحانه جمع تربة آدم (عليه السلام) من مختلف تركيباتها؛ لأنَّ التربة منها الغليظة, ومنها السهلة, ومنها العذبة ومنها المالحة، وقد سأل يهوديٌّ الإمامَ (عليه السلام) لماذا سمي آدم آدم فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((... وسمى آدم آدم لأنه خُلق من أديم الأرض، وذلك أن الله تعالى بعث جبرئيل (عليه السلام) وأمره أن يأتيه من أديم الأرض بأربع طينات طينة بيضاء وطينه حمراء وطينة غبراء وطينة سوداء, وذلك من سهلها وحزنها, ثم أمره ان يأتيه بأربع مياه: ماء عذب، وماء ملح، وماء مر، وماء منتن، ثم أمره أن يفرِّغ الماء في الطين وأدمه الله بيده فلم يفضل شيء من الطين يحتاج إلى الماء، ولا من الماء شيء يحتاج إلى الطين، فجعل الماء العذب في حلقه، وجعل الماء المالح في عينية، وجعل الماء المر في اذنيه، وجعل الماء المنتن في أنفه))[2].

وعنه (عليه السلام) قال: ((إن الله (عز وجل): خلق آدم من أديم الأرض، فمنه السباخ، ومنه الملح، ومنه الطيب، فكذلك في ذريته: الصالح، والطالح))[3].

وعن وهب بن منبه: أنه وجد في التوراة صفة خلق آدم (عليه السلام) حين خلقه الله (عز وجل) وابتدعه، قال الله تبارك وتعالى: إني خلقت آدم وركبت جسده من أربعة أشياء, ثم جعلتها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة، وركبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد وذلك إني خلقته من تراب وماء ثم جعلت فيه نفساً وروحاً، فيبوسةُ كلِّ جسدٍ من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت في الجسد بعد هذه الخلق الأول أربعة أنواع: وهن ملاك الجسد وقوامه بإذني لا يقوم الجسد إلا بهن ولا تقوم منهن واحدة إلا بالأخرى، منها المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم، ثم أسكن بعضَ هذا الخلق في بعض، فجعل مسكن اليبوسة في المرة السوداء ومسكن الرطوبة في المرة الصفراء ومسكن الحرارة في الدم ومسكن البرودة في البلغم، فأيما جسد اعتدلت به هذه الأنواع الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كل واحدة منهن أربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحته واعتدل بنيانه، فإن زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن ومالت بهن دخل على البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإذا كانت ناقصةً ثقل عنهن حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقارنتهن، وجعل عقله في دماغه، وسره في طينته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورغبته في ريته، وضحكه في طحاله، وفرحه في حزنه، وكربه في وجهه، وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا ))[4].

ونفهم من ذلك أن العلة في اختلاف الألوان واختلاف المبادئ والعادات سببها اختلاف الطينات، وبما أن آدم ابو البشر؛ لذلك خلقه الله من جميع الطينات فكان منه الابيض والاسود والاصفر والاسمر.

 فالله سبحانه خلق الأنبياء والأولياء والحجج من طينة في علين، وورد عن أهل البيت (عليهم السلام) أن المؤمنين خلقوا من فاضل طينة الأنبياء والمعصومين؛ لأن أرواحهم طيبة طاهرة لذا اختار لهم الله هذه الطينة المباركة.  

ثم قال (عليه السلام) في إفاضة الروح: (ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِه)[5].

قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }، الحجر: 29.

فبعد أن اكتمل جسد آدم واصبح مستعداً لإفاضة الروح نفخ الله فيه الروح، روى حمران بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، قول الله عز وجل (وروح منه)، قال: هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى (عليهما السلام))[6].

وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل (ونفخت فيه من روحي) كيف هذا النفخ ؟ فقال: إن الروح متحركٌ كالريح، إنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح، وإنما أخرجه عن لفظة الريح؛ لأن الروح متجانس للريح، وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت، وقال: (بيتي) وقال - لرسول من الرسل: (خليلي) وأشباه ذلك مخلوق مصنوع مربوب مدبر)[7].

فسبحان الله خالق الوجود فالجسد الذي خلقه الله لا يتحرك ولا يستطيع أن يعمل أي شيء إلا أن يستقر فيه الروح ولا زال العلم الحديث لا يعلم ما هو الروح هل هو شبيه بالجسد أم تختلف ام هو نور، أم هواء خفيف كما عبر عنه بعض الفلاسفة، وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، الاسراء: 85.

فبعض الأمور حجبها الله عن العباد والعلة في ذلك الأمر؛ كي يتفرد سبحانه وتعالى في بعض الخصائص ليبين للناس أنهم عاجزون عن أسراره لولا رحمته.

وقال (عليه السلام) بعد اتحاد الجسد والروح: (فَمَثُلَتْ إِنْسَاناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، ومَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ، والأَذْوَاقِ والْمَشَامّ،ِ والأَلْوَانِ، والأَجْنَاسِ، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، والأَشْبَاه الْمُؤْتَلِفَةِ والأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ، والأَخْلَاطِ الْمُتَبَايِنَةِ مِنَ الْحَرِّ والْبَرْدِ، والْبَلَّةِ والْجُمُودِ)[8].

 فالله سبحانه صور الانسان بأتم صورة وقد وضح لنا الإمام صورة آدم، ثم أشار الى القوة العقلية التي أعطاها الله للإنسان والأجزاء الأخرى  كالقلب وباقي الجوارح والادوات فهذه الأدوات يستخدمها الإنسان في أمور معيشته وأساسها العقل، فلو فقد الانسان عقله اصبح كالبهيمة.

 وكذلك لو انتقص منه شيء سوف يؤدي الى نقص في تركيبة جسمه، وإن مرض الانسان سوف يفقد بعض حواسه فلا تعمل حتى يشفى من مرضه كحاسة الذوق والشم.

فما أروع هذه الصورة وما أروع هذا التعبير الذي من خلاله نتوصل الى عظيم قدرة الله ونستدل به سبحانه من خلال هذا الجسد المتكامل، قال الإمام أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقد سئل عن الدليل إلى الله، قال: (اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكنّي فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه علمت ان لهذا البنيان بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات)[9].

فهذا الوصف الدقيق في خلق النبي آدم (عليه السلام) انما هي صورة واضحة رسمها لنا الإمام لتبين لنا عظيم منزلته وإنه باب علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فلو أمعنا جيداً كيف توصل الإمام الى وصف النبي آدم (عليه السلام) في خلقه ونحن نعلم ان النبي آدم (عليه السلام) أول من خلقه الله من بني البشر، ولكن للرجوع الى بعض الروايات الشريفة نجد أن الكثير منها تشير الى أن الخمسة الأطهار كانوا أشباح نور يدورون حول عرش الله([10])، قبل أن يخلق الله آدم بآلاف السنين وهذا ما بينه الإمام الحسين (عليه السلام) أيضا حينما سأله حبيب ابن مظاهر، وهذا وجه من الأوجه الذي نستدل به على كلامه (عليه السلام) كونه خلق قبل آدم بألاف السنين.  

كذلك القرآن الكريم تطرق الى خلق آدم قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }، الحجر: 26- 28.

 فهذه الآية توضح لنا خلق آدم بصورة مجملة، ولكن الإمام قرب هذه الصورة أكثر في هذه الخطبة الشريفة فلولا أمير المؤمنين لما عرفنا كيف خلق الله آدم بهذا التفصيل من خلال هذه الآيات, ففسر لنا الإمام ذلك، وهذا وجه آخر نستطيع ان نستدل به على أنه وصف لنا هذه الصورة بأدق ما يمكن، لأن الإمام ترجمان القرآن وهو القائل سلوني قبل أن تفقدوني، ولا شك أن الإمام يُكشف عنه الغطاء لكثير من الأمور كما كان سبحانه يكشف لرسوله الكريم (صلى اله عليه وآله) عن ذلك، فكان (عليه السلام) يرى نور الوحي ويشم ريح النبوة, الا أنه ليس بنبي ولكنه وصيه ووزيره وحامل لوائه في الدنيا والاخرة.  

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - نهج البلاغة، الخطبة الأولى، صفة خلق آدم (عليه السلام)، ص42، تحقيق صبحي الصالح.

[2] - علل الشرائع، ج1، ص2، ح1.

[3] - علل الشرائع، ج1، ص83، ح3.

[4] - علل الشرائع، ج1، ص110، ح9.

[5] - تكملة الخطبة.

[6] - الإحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج2، ص56.

[7] - المصدر السابق.

[8] - تكملة الخطبة.

[9]- الكافي الشيخ الكليني ، ج1 ، ص78.

[10] - ينظر، علل الشرائع، ج1، ص23.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك