أثر الإمام علي(عليه السلام) في نشأة النحو العربي

727 2017-03-16


أثر الإمام علي(عليه السلام) في نشأة النحو العربي

الباحث: عماد طالب موسى

يعنى المقال في بيان المنطلقات الأولى لنشأة النحو العربي، والظروف التي احتضنته، والمسوغات التي دعت إلى توجيه الإمام علي (عليه السلام) إلى الخوض في غماره، وهي بعرضها هذا تتوخى الاختصار والتسلسل الرتيب ضاربة صفحا عن بعض الخلافات التي أثارها بعض الرواة  لتغييب دور المؤسس الأول لعلوم العربية الإمام علي(عليه السلام) لذا سنكتفي بالإشارات الدالة التي تفيد الباحث والقارئ الكريم في هذا الصدد.

قضية نشأة النحو العربي احتدم حولها النقاش منذ عهد مبكر، فالناظر إلى كتب الطبقات تروعه كثرة الاختلافات حول هذه النشأة([1])، وهي خلافات مردها سياسيا أكثر منه موضوعيا؛ إذ تطالعنا المدونات النحوية ((أن أول من وضع علم العربية، وأسس قواعده، وحدّ حدوده، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخذ عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي))([2])، وهناك كثير من الروايات التي تؤكد أن الإمام عليا( عليه السلام) هو الذي وضع النحو مفهوما ومصطلحا وبدأ أبو الأسود بتنفيذها، ومنها:

قال أبو الطيب اللغوي(ت: 351هـ): ((كان أول من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي الذي أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب؛ لأنه سمع لحنا، فقال لأبي الأسود : اجعل للناس حروفا وأشار إلى الرفع والنصب والجر))([3])، وذكر أبو بكر الزبيدي(ت: 379هـ) قول أبي الأسود الدؤلي: (( تلقيته عن علي ابن أبي طالب))([4])(عليه السلام)، وغيرها كثير لا يسع المقام لذكرها كلها تؤكد نسبة ولادة النحو على يد الإمام علي (عليه السلام).

ويعود سبب وضع الإمام (عليه السلام) لهذا العلم، ما رواه أبو الأسود، إذ قال: دخلت على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(عليه السلام)، فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء- يعني العجم- فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم ألقى إليّ الرقعة، وفيها مكتوب: الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن مسمّى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى، ثم قال لي – والقائل أبو الأسود- انحو هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر؛ وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم([5]). وروي أيضا أنه سمع شخصا يقرأ: لا يأكله إلا الخاطئين، فوضع علم النحو([6])، فهي التفاتة من لدنه (عليه السلام) خلافا لكثير من الروايات التي تقول إن الإمام بادر إلى ذلك بطلب من أبي الأسود نفسه، وكأن الإمام(عليه السلام) في عزلة عن الرعية  وأمرهم، ومستوياتهم الاجتماعية غائبة عنه لا قدر الله.

 الحقيقة أن التاريخ دُوِّن في فترة كان حكام السلطة من أشد معارضيه وأعدائه لذلك تختفي الحرية التي تتحرى الحقيقة ولربما تودي بصاحبها إلى الهلكة، لاسيما أن سبّ الإمام علي (عليه السلام) قد أصبح سنة على المنابر في عهدهم، فإن كان ثمة عجب ليس من نزر الروايات القلية في مناقب الإمام(عليه السلام) بل كيف وصل لنا هذا القليل منها والسلطة على ذلك الحزم في محاربته (عليه السلام) إعلاميا وعسكريا، فلا يخفى العناء الذي تحمله الشيعة العلماء الموالون في المحافظة ونقل هذا التراث العلمي الزاخر، ولا ينكر ما يند في متون بعض المؤلفات التي لا تستطيع تخطي الحقيقة وإن قدمتها بأقل من حجمها كرامة، فتحاول  تحريف متن الرواية والتلاعب بها بهدف تغييب المنقبة أو مشاركة غيره بها كما نسب إلى عمر بن الخطاب مسألة نشأة النحو!.

 والإمام (عليه السلام) لا تضيره هذا السياسة ولا ينتظر منها جزاء من أحد، فعمله و خدمته للإسلام بكل مستوياتها الجهادية والتوعوية خالصة لذات لله عزّ وجل، وأمثلة ذلك كثيرة، فلو تأملنا الأدعية والمناجاة نجدها قد رويت على ألسن المؤمنين من أمثال أبي حمزة الثمالي وكميل وغيرهم وهي من وحي خيالهم، فهم رحمة للعالمين وأجرهم على الله سبحانه لا يريدون من الرعية جزاء ولا شكورا.

وأما الروايات أعلاه فكأن بي حاجة للوقوف عندها؛ لما تشتمل عليه من  أمور، نحاول الوقوف عند بعض منها:

1-   إن هذه الحادثة لها صلة وثيقة بالمكان الذي دفع فيه الإمام (عليه السلام) الرقعة إلى أبي الأسود الدؤلي وهو البصرة، فعندما زارها الإمام (عليه السلام) وذلك ما بين 22 جمادى الأولى وأوائل رجب لسنة 36هـ، إذ مكث الإمام علي(عليه السلام) في البصرة مدة شهرين وكان أبو الأسود  قاضيا على البصرة وحدثت معركة الجمل([7])، وما نريد الوصول إليه أن الهم الاصلاحي عند الإمام( عليه السلام) يشتغل على المستويات الاجتماعية كافة ما دام الهدف بناء المجتمع وتطور الواقع الاسلامي، ولا تقف أمامه- الاصلاح المنشود- حربٌ، ولا أي اضطرابات سياسية، وحتى حرب الجمل كانت ردّا على المتمردين الذين نهبوا بيت المال وقتلوا خزانه صبرا وغدرا، وأعملوا سيوفهم  في رقاب المسلمين ولولا تدارك الإمام( عليه السلام) هذه الفتنة واخمد نارها لتسببت في اضرار المجتمع وتناحره.

2-  حريّ بنا الإشارة الى دقة مراقبة الاوضاع الاجتماعية والثقافية من قبل الإمام علي (عليه السلام) ورصد الاوضاع التي تحتاج إلى اصلاح واستقرائها، لاسيما ما تضطلع به اللغة من دور فهي وسيلة الاتصال بين افراد المجتمع، واداة رئيسة للتثقف و التعلم ونقل العلوم الإسلامية ونشرها بين الناس وبه تعم القوانين والحكم والشرائع الإسلامية، وأي خلل ينتابها يوهن الفكرة أو الحكم المنوط بها. لاسيما علوم القران وتلاوته، والحيلولة دون اللحن فيه.

3-   يبدو أن السبب الرئيس الذي حمل الامام (عليه السلام) على وضع القواعد هو ما يقع فيه العجم من لحن، وإنما أوعز لأبي الأسود هذه المهمة مباشرة دون السؤال عن الأعلم بأمور اللغة ينبئ عن تمكن العرب من لغتهم والمشكل الوحيد كان منوط بالعجم، ولكن لكثرة الاختلاط بهم أخذت هذه الآفة بالانتشار في طبقات المجتمع ونزولها في بيوت ممن يشار إليهم بالفصاحة والبلاغة أمثال أبي الأسود الدؤلي، إذ يروى عنه أن ابنته قالت له : ما أحسن السماءِ! فقال لها نجومها، فقالت إني لم أرد هذا وإنما تعجبت من حسنها، فقال لها: إذن فقولي ما أحسن السماءَ، وعندما كلفه الإمام علي(عليه السلام)  بوضع النحو أول ما رسم منه باب التعجب، وقال أبو حاتم السجستاني: ولد أبو الأسود الدؤلي في الجاهلية وأخذ النحو عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)([8]).

خلاصة القول أن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا الراعي الأول للأمة الإسلامية وبذلوا جهودا استثنائية لخدمة الدين والرقي بالواقع الإسلامي وجعلهم على مرتبة متقدمة من العلم والتقوى للفوز بالدنيا والآخرة، إلا أن هذا الهدف يحبط أطماع الحكام فلا متجبر قبال مجتمع مثقف إسلاميا ومتسلح بسلاح المعرفة والتقوى وصدق العبودية لله، والاخلاص لأوليائه الذين اصطفى، لذلك عملت السلطة أو المعارضين لخط أهل البيت(عليهم السلام) بمحاربتهم ونصب العداء لهم ليشيع الجهل ويقبع الظلم بتسلط شواذ الأمة على الرعية، ويباشروا بنهب خيراتها والعيث في الأرض فسادا، كل هذه الاسباب وغيرها دفعت المتسلطين إلى تغييب دور أهل البيت (عليهم السلام) والحد منه ولكن هيهات ما يُعدون؛ إذ ((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))([9])، الذين استمروا بمتابعة واغتيال أنصار أهل البيت وحواريهم، ليحققوا أطماعهم، وكل ما تعانيه الأمة الاسلامية اليوم من ظلم وحرب وتهجير وتشريد ما هو إلا نتيجة لذلك السلوك، وقد استمر عليه أحفادهم وانتج هذه المسميات الشواذ التي نعاني وبالها اليوم وهي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وعليه إذا أردنا أن نتحرر علينا أن نفهم خط أهل البيت ونعي نهجهم البناء.

 

 

([1] ) ينظر: الحلقة المفقودة في تاريخ النحو، تأليف الدكتور عبد العال سالم مكرم: 11.

([2] ) نزهة الألباء: 41.

([3] ) مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي: 6، وينظر: أقوال الإمام علي (عليه السلام) في التراث النحوي والأدبي، بدور عبود الغزي: 34.

([4] ) طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر الزبيدي: 5.

([5] ) ينظر: نزهة الألباء: 18.

([6] ) ينظر: المصدر نفسه: 19.

([7] ) ينظر: أقوال الإمام علي في التراث النحوي والأدبي: 32.

([8] ) ينظر: نزهة الألباء: 21.

([9] ) الصف: 8.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك