شعبان، بين ضيافة الرسول وشفاعته

مقالات وبحوث

شعبان، بين ضيافة الرسول وشفاعته

854 مشاهدة

خطى الخزاعي
خصَّ الله تبارك وتعالى أزمنة بعينها فحفها بالفيض والبركة؛ لتكون محطات توقف ومن ثم إنابة إلى الله (جلَّ وعلا) لمن قد قصَّر وابتعد، ومناهل استزادة ومزيد تحصيل لخصوص من لازم الدرب واجتهد.
وشهر شعبان من تلك الأزمنة المباركة المحفوفة بالعطاء الإلهي المميز، وقد تحدَّث اللسان الروائي الشريف بغزارة في فضله، ومزيد بركته، مرشدًا إلى أفضل الأعمال التي تأخذ بيد العبد إلى أعلى مستوى تحصيل مقرِّب من ساحة العفو والرضا الإلهي.
قال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في حديث طويل عن هذا الشهر المبارك: ((سمّاه ربّنا شعبان لتشعب الخيرات فيه))([1])، ومن تلك الخيرات ما بيَّنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في جماعة من أصحابه وهم يتذاكرون فضائل شهر شعبان بقوله: ((شهر شريف، وهو شهري، وحملة العرش تعظمه وتعرف حقه، وهو شهر تزاد فيه أرزاق المؤمنين كشهر رمضان، وتزين فيه الجنان، وإنَّما سمي شعبان؛ لأنَّه تتشعب فيه أرزاق المؤمنين، وهو شهر، العمل فيه مضاعف، الحسنة بسبعين، والسيئة محطوطة، والذنب مغفور، والحسنة مقبولة، والجبار (جلَّ جلاله) يباهي فيه بعباده، وينظر إلى صوّامه وقوّامه، فيباهي بهم حملة العرش ...))([2])،  ولعل  أبرز ما يُقرأ من خيرات هذا الشهر أنَّه يُنقي العبد ويزيل عنه ما علق به من شوائب التقصيرات ببرنامجه العبادي الأخلاقي، ومن ثم يقدِّمه لشهر رمضان بحال يليق بضيافة الله تعالى له في الشهر الفضيل، فهو بمثابة تمرين النفس على المجاهدة والطاعة حتى توفق لطاعة شهر رمضان وتستأنس بها، وقد نُسب هذا الشهر في أكثر من خبر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((شعبان شهري، ورمضان شهر الله))([3])، وقد رويَ أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يصوم رجبًا ويقول: ((رجب شهري، وشعبان شهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشهر رمضان شهر الله (عزّ وجلّ)))([4])، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المضيف في هذا الشهر المبارك، وضيافته (صلوات الله وسلامه عليه وآله) تتجلَّى في إرشاد أهل التحصيل من العباد إلى كيفية استثمار أوقات هذا الشهر على النحو المطلوب، فيكون المستثمر ممَّن أعان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الشهر، فعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ((شعبان شهري رحم الله من أعانني على شهري))([5])، ولعلَّ أهم عمل نُدب إليه في برنامج استثمار فرصة شعبان المعظم هو الصيام؛ حاكية عن ذلك الروايات الشريفة في فضله (الصيام) والأجر المترتب عليه، ومن هذه الروايات، عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في حديث قال: ((من صام شعبان محبّة لنبيّ الله (صلى الله عليه وآله) وتقرّبًا إلى الله (عزّ وجلّ) أحبّه وقرّبه من كرامته يوم القيامة، وأوجب إليه الجنّة))([6])، وأيضًا عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((تتزيّن السماوات في كلّ خميس من شعبان، فتقول الملائكة: إلهنا اغفر لصائمه وأجب دعائهم، إلى أن قال: ومن صام فيه يومًا واحدًا حرّم الله جسده على النار))([7])، ولأنَّ هذا الشهر قد اكتسب شرافة إضافية بارتباطه برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فستكون شفاعة رسول الله حاضرةً بانتظار الصائم فيه إذ قال (صلى الله عليه وآله): ((فمن صام يومًا من شهري كنت شفيعه يوم القيامة، ومن صام يومين من شهري غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، ومن صام ثلاثة أيام من شهري قيل له: استأنف العمل))([8])، وعن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مرغِّبًا في الصيام في شهر شعبان قائلًا: ((صوموا شهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكن لكم شفيعاً، وصوموا شهر الله تشربوا من الرحيق المختوم))([9]).
اللهم أكتبنا ممَّن يعين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على شهره، ووفقنا لنيل شفاعته وأهل بيته، وادفع عن بلادنا وسائر بلاد المؤمنين البلاء ببركة شهر شعبان المعظم وببركة من ولد فيه وصلِّ على محمد وآل محمد.
الهوامش:
[1])) بحار الأنوار، العلامة المجلسي (ت: 1111): 94/56.
[2])) الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381): 75.
[3])) ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق (ت: 381): 59.
[4])) وسائل الشيعة، الحر العاملي (ت:  1104): 10/480.
[5])) إقبال الأعمال، السيد ابن طاووس (ت: 664): 3/287.
[6])) وسائل الشيعة: 10/490-491.
[7])) إقبال الأعمال: 3/301.
[8])) الأمالي، الشيخ الصدوق: 71.
[9]))  فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق: 64,

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1399 Seconds