قضية رقم (1)

مقالات وبحوث

قضية رقم (1)

276 مشاهدة

خُطَى الخُزَاعي

((أنا أولُ من يجثو بين يدي الله (عزَّ وجلَّ) يوم القيامة للخصومة)) ([1]).
عندما يطرق بيان المعصوم باب السمع بكلمات كهذه، سيكون من التقصير بمكان أن يقف السامع الموالي عند حدِّ اللفظ مكتفيًا بفائدة المعنى القريب من دون إفادات المعنى الأخرى غير المنظورة للوهلة الأولى، فكم من إفادة قد لاحت من بين طيات كلامهم (صلوات الله عليهم) جلَّى عنها الفهم مقدِّمًا إياها سقفًا أعلى للمعنى والوظيفة.
يُفصح الإمام (صلوات الله عليه) عن تصدُّر ظلامته قائمة الحساب الإلهي وحيازتها على أسبقية النظر فيها من لدن الربِّ (جلَّ وعلا) قبل النظر في ظلامة أي أحد من الخلق؛ ممَّا يعني أنَّ لها من الثقل والتداعيات ما ليس لغيرها؛ وإلّا سيكون التقديم على غيرها من قبيل الترجيح بلا مرجح وهذا منتف بحقه تعالى.  
وهنا يمكن للموالي العامل أن يُحصِّل من قوله (صلوات الله عليه) فائدة مضمرة ومعنى منطوٍ متوجه إليه خاصة، وهو أن يجعل لقضية المولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الصدارة في قائمة وظائفه في الحياة، متخلقًا بسيرة الله تعالى ورسوله في التعاطي وتلك القضية التي وزانها الدين كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة: 67)، فيُسَخِّر ما يُتاح له من إمكانات في التثقيف لقضية أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) ابتداءً من التعريف به بوصفه شخصية استثنائية كبُرت عن مماثلة أي أحد ممَّن عاصرها؛ بل من مطلق الخلق باستثناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإيراد ما ثبت من سيرته الوضاءة (صلوات الله عليه) والوقوف عند كل وسام تميُّز قلَّده إياه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعطيات ذلك، ومن ثم التعريف بولايته ثقلًا وجوهرًا في الدين؛ لينتهي مطاف القضية عند ظلامته (صلوات الله عليه)، تلك الظلامة التي لم يتخلف فيها لون، ولم ينقض لها إلى الحين أثر.
وإنَّ جعل قضية المولى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قضية الموالي الأولى، لهو أدب نبوي من وحي إلهي كما أسلفنا؛ إذ لا يخفى على الموضوعي ما كان عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سيرة غلب عليها التثقيف العلوي مستثمرًا كل ما يمكن استثماره في هذا السبيل، وقد أُثر عنه (صلى الله عليه وآله) أنَّه أرشد أمته بتوجيهات إلى انتهاج سبيل الترويج له (صلوات الله عليه)، والتعريف بفضائله ما أمكنهم إلى ذلك وبأيِّ كيفية تُتاح من ذكر أو كتابة أو استماع أو نظر واضعًا للمؤمنين بقوله وسيرته حجر أساس العناية بالقضية العلوية والتثقيف لها فقال: ((إن الله تبارك وتعالى جعل لأخي علي بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثيرة؛ فمن ذكر فضيلة من فضائله مُقِرًّا بها غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقى لتلك الكتابة رسم، ومن استمع فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر إلى كتاب فيه فضيلة من فضائل علي (عليه السلام) غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثم قال: النظر إلى علي (عليه السلام) عبادة، وذكره عبادة، ولا يقبل الله إيمان عبد إلّا بولايته، والبراءة من أعدائه)) ([2])، فما كان ليجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الأجر المرغِّب المتناسب وكيفية التعاطي مع فضائل أمير المؤمنين الدالة على ولايته إلّا لأهمية ذلك ومحوريته، وما يترتب عليه من آثار عظيمة أجلها في ارجاع من ضلَّ عن درب الولاية، فكم قد ساهم الإعلام الولائي العلوي بانتشال المضللين والمغرر بهم من متاهات الضياع واستنقاذهم من هوة الخسران، فبمثل هكذا نتيجة تعظم هكذا وظيفة التي تجعل من صاحبها نقطة إضاءة في درب الهداية والقول لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مخاطبًا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): (( فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)) ([3]).
وممَّا تقدَّم نخلص على أنَّ الله تعالى ما جعل من الولاية القضية الأولى إلّا لدخالتها المباشرة في الهداية - هدف الله تعالى من الخلق - فاستأهلت تلك الخصوصية من الصدارة والأولوية من لدن الرب، وعلى الملاك نفسه فلنجعل من قضيته (صلوات الله عليه) قضيتنا الأولى مثقفين له ما استطعنا ومعرِّفين بظلامته ما أمكننا عسى أن يهتدي مهتدٍ ويثيب معاند، ولنا بعد كل ذلك بالزهراء وأبنائها (صلوات الله عليهم) أسوة واقتداء. 

الهوامش:
[1] الأمالي: الشيخ الطوسي (ت: 460): 85.
[2] الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381): 201.
[3] مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، محمد بن سليمان الكوفي (ت: ح300): 2/507.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1226 Seconds