شهادة الإمام الباقِر (عليه السَّلَام)

مقالات وبحوث

شهادة الإمام الباقِر (عليه السَّلَام)

193 مشاهدة

هشام مكي خضير

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم مُحَمَّدٍ وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...

تمرُّ على شيعة آل بيت النّبوَّة (صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين) على مدار السَّنة ذكرى العديد من المناسبات الأليمة التي تختص بأئمَّة أهل البيت (عليهم السَّلَام)، ومن هذه المناسبات: شهادة سيِّدنا ومولانا الإمام مُحَمَّد البَاقِر بن الإمام عَلِيّ السَّجَّاد (صلوات الله تعالى وسلامه عليهما). وسنحاول في هذه المقالة تسليط الضوء على بعضٍ من شذرات حياة هذا الإمام الهمام إحياءً لذكره .

الظروف السياسية التي عاصرها الإمام مُحَمَّد بن عّلِيّ الباقِر (عليهما السَّلَام) في حياته الشريفة:

بعد شهادة الامام السَّجَّاد (عليه السَّلَام) عام (95) هـ، تولى الإمام مُحَمَّد بن عَلِيّ الباقر (عليهما السَّلَام) إمامة المُسلمين، وقد امتدت امامته تسع عشرة سنة، وقد عاصر في هذه المدة مجموعة من جلاوزة الحكومة الأموية (لعنهم الله تعالى)، فقضى ما يقرب من السنتين منها في حكم الوليد بن عبد الملك، وقد عاصر هذا الإمام الهمام مأساة اغتيال أبيه من لدن سليمان بن عبد الملك (لعنهما الله تعالى) الذي كان يخشى على ملكه وسلطانه من أهل بيت النّبوّة (صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين)، وكذلك تجشَّم هذا الإمام قبل ذلك مأساة الطف، وكلُّ ذلك بسبب الحكم الأموي الغاشم[1] .

وبتولي عمر بن عبد العزيز قيادة الحكم الأموي، حدث تحول كبير في سياسة الحكم الأموي، وعلى الرّغم من قصر أيام هذا الحاكم في الحكم، إلَّا أنَّ مواقفه من أهل البيت (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) كان فيها شيء من الاختلاف عمَّن سبقه من الحكام الأمويين اللعناء، فرفع السّب عن الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) من على المنابر، وهي سنة سنها معاوية (لعنه الله تعالى).

وتولى الحكم بعده يزيد بن عبد الملك (لعنه الله تعالى)، المشهور تاريخيا بلهوه وخلاعته وغزله الماجن، وانشغاله بأعماله الصبيانية ومجونه، لم يعطه فرصة التصدي لمسيرة الإسلام التاريخية التي يقودها الإمام الباقر (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، ثمَّ جاء هشام بن عبد الملك (لعنه الله تعالى) الذي خلق انعطافًا تاريخيًا في مواجهة الحركة الإسلامية، فتصدى له أهل البيت (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) عن طريق ثورة الشهيد زيد بن الإمام عَلِيّ السَّجَّاد (عليهما أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، التي كانت صدى لثورة جدّه الإمام الحُسَين (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) وامتدادا لها، فاستشهد هو وأصحابه[2].

انتقال الإمام البَاقِر (عليه السَّلَام) إلى دمشق:

إنَّ هشام بن عبد الملك كان واثقًا من أنَّ مصدر الوعي الإسلامي الصحيح إنَّما هو الإمام الباقر (عليه السَّلَام)، وأن وجوده حرًّا طليقًا يمنحه مزيدًا من الفرص لرفد الحركة الإصلاحية في الأمة وتكريس مدّها المتعاظم، وعليه اتجه هشام إلى المكر الأموي نحو اعتقال الإمام (عليه السَّلَام)، وابعاده عن عاصمة جدِّه المُصْطَفى (صلَّى الله تعالى عليه وآله)، التي اجتمعت هي والحجاز عمومًا على إجلاله والتّمسك به[3].

وهكذا حمل الإمام (عليه السَّلَام) وابنه جعفر الصَّادق (عليه السَّلَام) إلى دمشق بأمر السلطة الأموية وأودع في أحد سجون الحكم هناك.

شهادة الإمام الباقر (صلوات الله تعالى وسلامه عليه):

استُشهِد الإمام الباقر (عليه السَّلَام) في أيام حكم هشام بن عبد الملك، إذ قام إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، بدسّ السّم إليه (عليه السَّلَام) في عام 114 ه‍، فأثّر السّمّ في بدنِ الإمام الباقر (عليه السَّلَام) تأثيره وأخذ يدنو من الموت وهو متوجه إلى الله تعالى ويتلو القرآن الكريم، وبينما لسانه مشغول بذكر الله إذ وافاه الأجل المحتوم، وفاضت نفسه المطمئنة إلى ربّها راضية مرضية، ثم قام وصيه وخليفته الإمام أبو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) بتجهيز الجثمان الطَّاهِر لأبيه (عليه السَّلَام)، فغسله وكفنه بما أوصى به وصلَّى عليه، ونقل الجثمان المطَهَّر العظيم بالتَّهليل والتَّكبير وقد حفّت به النَّاس يلمسون نعش الإمام ويبكون لمصابه (عليه السَّلَام) ويصرخون من لوعة فراقه الأليمة[4]، وقد دُفن الإمام مُحَمَّد بن عَلِيّ البَاقِر (عليهما أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) في بقيع الغرقد[5].
فعظم الله تعالى لنا ولسائر المؤمنين الموالين الأجر والثواب بهذا المصاب الجلل، والحمد لله ربّ العالمين...

الهوامش:
[1] يُنظر: موسوعة المُصطَفَى والعترة (صلَّى الله تعالى عليه وعليهم)، الحاج حسَين الشَّاكِريّ: 8/231-232.
[2] يُنظر: رجال تركوا بصمات على قسمات التَّاريخ، السَّيِّد لطيف القزويني: 183-185.
[3] موسوعة المُصطَفَى والعترة (صلَّى الله تعالى عليه وعليهم): 8/235.
[4] يُنظر: قادتنا كيف نعرفهم؟، السَّيِّد محمَّد هاديّ الميلاني: 4/80.
[5] مطالب السؤول في مناقب آل الرَّسُول (صلَّى الله تعالى عليه وعليهم)، محمَّد بن طلحة الشَّافِعِيّ: 433.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1242 Seconds