زين العابدين ثورة على خطى الطف

مقالات وبحوث

زين العابدين ثورة على خطى الطف

875 مشاهدة

علي عباس فاضل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد
بعد الفاجعة التي حلت بآل محمد (صلى الله عليه وآله) المتمثلة باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وما آلت إليه الأمور من انحطاط أخلاقي في المجتمع الإسلامي الذي سكت أكثره على هذه الجريمة التي لا مثيل لها على مر العصور، والأدهى من ذلك سكوتهم على يزيد (لعنه الله) كحاكم على الدولة الإسلامية رغم ما أحدث من جرائم، فكان لا بد من رأب هذا الصدع الذي أصاب الأمة وتقويم ما اعوج من عقائدها، وإعادة الأمور إلى مسارها، فالإمام الحسين (عليه السلام) عالج ذلك الانحراف والظلم بدمه الطاهر في سبيل الله، ثم أكمل الإمام السجاد (عليه السلام)  ذلك المسار المضيء للثورة الحسينية المباركة عبر تثقيف المجتمع إيمانيا وبناء جيل مؤمن يواجه الكفر والشر والظلم.
بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) تسلم الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) مواريث الإمامة, وقد أوصاه الإمام الحسين (عليه السلام) بوصية، وهي آخر وصية أوصاه بها قال فيها: (إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله)([1]).
لقد حرص الإمام زين العابدين (عليه السلام) على ترسيخ مبادئ أبيه سيد الشهداء في النفوس بأبعادها الفكرية والروحية وليس فقط الثورية, وتوعية الناس وحثهم على نبذ الظلم والطغيان التي نادت بها الثورة الحسينية، فقد دأب على إحيائها رغم الإعلام المضلل الذي مارسته السياسة الأموية, فاستطاع أن يبث الأفكار الثورية والآراء المناهضة للسلطة في القلوب والعقول عبر نصائحه ومواعظه الكثيرة ومنها: (التَارِكُ للأمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهي عَنِ المُنْكَر كَالنَّابِذِ لِكِتَابِ اللهِ وَرَاء ظَهْرِه، إلاَّ أنْ يَتَّقي تُقَاةً)([2])، فقد بيَّنَ للناس في هذه الحكمة أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما رسخته ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في إصلاح أمة جده (صلى الله عليه وآله).
حزن (عليه السلام) على أبيه حزنا شديدا، إذ روي عن الصادق عليه السلام : ((بكى علي بن الحسين عليه السلام عشرين سنة ، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى ، حتى قال له مولى له : جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف أن تكون من الهالكين ، قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة))([3])، ولم يهدأ هذا الحزن في قلب الإمام السجاد (عليه السلام) على أبيه وما حل بهم من ظلم، وكان لما يلقيه إلى الناس من حكم ومواعظ وأدعية أثر كبير في نفوس الأمة، حتى أن شاعر البلاط الأموي الفرزدق مدحه بقصيدة حين أنكر هشام بن عبد الملك معرفته به، إذ نقل ابن عساكر وابن خلكان الحادثة: ((أن هشام بن عبد الله حج في خلافة عبد الملك أو الوليد فطاف بالبيت وأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام فنصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن حسين عليه إزار ورداء أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة بين يديه سجادة كأنها ركبة عنز فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحى الناس له عنه حتى يستلمه هيبة له وإجلالا فغاظ ذلك هشاما فقال رجل من أهل الشام لهشام من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فأفرجوا له عن الحجر فقال هشام لا أعرفه لئلا يرغب فيه أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا لكني أعرفه فقال الشامي من هو يا أبا فراس

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم

إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمي إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم))([4])

 فقد تأثر به الناس حتى بدأ يشكل خطرا على حكم بني أمية، فقد روى الزهري أن الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أن تسلم الحكم بعد أبيه قال: (لا راحة لي، وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا)([5]) وأجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك والسلطان، فبعث سماً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسه للإمام ونفذ عامله ذلك، وقد تفاعل السم في بدن الإمام، فأخذ يعاني أشد الآلام وأقساها، وبقي حفنة من الأيام على فراش المرض يبث شكواه إلى الله تعالى، ويدعو لنفسه بالمغفرة والرضوان، وقد تزاحم الناس على عيادته، وهو (عليه السلام) يحمد الله، ويثني عليه أحسن الثناء على ما رزقه من الشهادة على يد شر البرية، وكانت شهادته عليه السلام في الخامس والعشرين من محرم الحرام من سنة أربع وتسعين للهجرة ودفن في البقيع الغرقد، وقبره شاخص فيها، أما ضريحه فهدم على يد خوارج الأمة.
وختاما: نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا مع محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

الهوامش:
([1]) الكافي: 2/ 321.
([2]) الطبقات الكبرى، 5/ 165، البداية والنهاية: 9/ 134، مسند الإمام السجاد: 2/ 257.
([3])الخصال، الشيخ الصدوق: 131، مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب : ٣ / ٣٠٣، مسند الإمام الصادق (عليه السلام): 4/ 161.
([4]) تاريخ دمشق: 41/ 401، وفيات الأعيان: 6/ 95.
([5])حياة الإمام زين العابدين : 678،  نظريات الخليفتين 2/156.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1446 Seconds