من أصول الأمن الفكري في نهج البلاغة الأصل الأول: حفظ حق علي (عليه السلام) الذي ضيعه المسلمون

مقالات وبحوث

من أصول الأمن الفكري في نهج البلاغة الأصل الأول: حفظ حق علي (عليه السلام) الذي ضيعه المسلمون

254 مشاهدة

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

«الحمد لله الذي صدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حُكمهِ»([1]) وصلواته التامات الزاكيات على «محمد عبده ورسوله، دعا إلى طاعته وقاهر أعداءه جهاداً عن دينه، لا يثنيه عن ذلك اجتماعٌ على تكذيبه، والتماسٌ لإطفاء نوره»([2])، وعلى اهل بيته «أساس الدين وعماد اليقين»([3])
أما بعد:
اهتمت الدول والمؤسسات العلمية والفكرية والأمنية في سبل تحقق الأمن الفكري وأصوله ومكوناته ولقد تناولت الدراسات المعاصرة في هذا المجال العديد من الفرضيات والنتائج والعينات بغية الوصول إلى حلول ناجعة لما يواجهه المجتمع في مختلف أرجاء العالم من انحدار فكري وقيمي عبر الحروب والفقر والبطالة والهجرة والعنصرية وتمزق النسيج الاجتماعي والقيمي.
من هنا كان لزاما علينا الرجوع إلى أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام لمعرفة أصول تحقق الأمن الفكري لا سيما وأنه قد واجه العديد من المتغيرات الفكرية والقيمية في المجتمع الإسلامي بعد وفاة رسول الله صل الله عليه وآله، فكانت أصول الأمن الفكري عنده عليه السلام على النحو الآتي:
الأصل الأول: حفظ حقه الذي ضيعه المسلمون
إن أول استفهام يقف أمام الباحث في المتغيرات الفكرية والقيمية في الإسلام بعد فترة وجيزة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله مفاده:
ما علة هذا التفرق بين خير أهل القرون؟ والإجابة على هذا الاستفهام تكمن في معرفة الأسباب التي دفعت بعض التابعيين الذين عُرفوا بولائهم وتشيعهم للإمام علي عليه السلام وقدومهم إليه يسألونه عن رأيه في أبي بكر وعمر وقد أحاطت بهم الظنون وهم ينظرون إلى شدة جزعه على فراق محمد بن أبي بكر وقد اغتاله معاوية.
فقد روى ابن قتيبة (ت276هـ) في الإمامة والسياسة، والبلاذري (ت279هـ) في أنساب الأشراف والثقفي (ت283هـ) في الغارات وغيرهم: أنه (دخل عمرو بن الحمق الخزاعي وحجر بن عدي وحبة العرني، والحارث الأعور، وعبد الله بن سبأ، على أمير المؤمنين عليه السلام بعدما افتتح مصر، وهو مغموم حزين، فقالوا له:
بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟
فقال لهم عليه السلام: «وهل فرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت!؟ أنا مخرج إليكم كتابا أخبركم فيه عما سألتم، وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحق أعوانا».
إن ما يلفت الانتباه أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقرن جوابه على سؤالهم بحقه الذي ضيعوه، مما أثار مجموعة من الأسئلة:
المستفاد من الحادثة أن الذين جاءوا إليه ليسألوه هم رجال قد عرفوا بولائهم لعلي بن أبي طالب عليه السلام باستثناء ابن سبأ الذي انحرف في آخر أمره وشذّ عن جادة الحق.
ومن ثم فإن كان هؤلاء الذي يقاتلون معه وعرفوا بولائهم له هم مِن المضيعين لحقه فما هو حال غيرهم من المسلمين؟
ما هو هذا الحق الذي ضيعه المقربون فكيف بالأبعدين؛ بمعنى: قد يراد بقوله المسلمين خاصة وعامة، أي الشيعة وأبناء العامة، وقد يراد بقوله أصل حقه عليه السلام؛ مما يقتضي أولاً وقبل كل شيء معرفة حقه عليه السلام؟
إن من البداهة بمكان أن تكون النتائج تبعاً للمقدمات، ومن ثم فإن النتائج التي وصل إليها الواقع الإسلامي آنذاك وكذلك اليوم هي تبع للمقدمات التي سبقت هذه النتائج.
بمعنى: إن الاقتتال الذي نشأ بين المسلمين وتلك التفرقة، والاختلاف وتفشي الظلم وانتهاك المحارم إنما كان سببه ضياع حق علي عليه السلام في يوم السقيفة.
وعليه:
فإن كنتم تريدون النجاة في الدنيا والآخرة فيلزم أن يعود الحق إلى أهله وإلا، لا تكون هناك فائدة من معرفة الجواب لما سألتم عنه.
لا شك أن سؤالهم عن أبي بكر وعمر يكشف عن وجود خلاف جذري في العقيدة، ومن ثم فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يدرك أن ترميم العقيدة الإسلامية لا بد أن يكون بالرجوع إلى الأسباب التي أوصلت واقع المسلمين إلى هذا المستوى.
أما كيف ضيعوا حق علي عليه السلام؟ وهم يقاتلون معه؟
والجواب:
أنهم خذلوه في السقيفة، وفي بيعة أبي بكر، وعند استخلاف أبي بكر لعمر من بعده، وعند تحزب أهل الشورى ضده، فكل هذه السنين لم يكن له فيها أنصار وأعوان، فأي تضييع أعظم من هذا التضييع؟
وعليه:
لو كانوا منذ يوم السقيفة مناصرين وملتزمين ببيعتهم له في غدير خم لما وصل بهم الحال إلى هذا المستوى من الفرقة والاختلاف والاقتتال وتضييع الولد والأموال والمقدسات.
في حين لو التزموا حقه عليه السلام وناصروه على أخذه من غاصبيه لكان حالهم في نعيم وحياة كريمة كما تحدثت الصديقة فاطمة الزهراء عليها لسلام وهي تخاطب نساء الصحابة من المهاجرين والانصار بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: «ما الذي نقموا من أبي حسن؟ نقموا - والله - منه شدة وطأته ونكال وقعته، ونكير سيفه، وتبحره في كتاب الله، وتنمره([4]) في ذات الله . وأيم الله لو تكافوا([5]) عن زمام نبذه إليه رسول الله لاعتلقه([6]) ثم لسار بهم سيرا سجحا([7])، لا يكلم([8]) خشاشه([9])، ولا يتعتع([10]) راكبه، ولأوردهم منهلا رويا صافيا فضفاضا تطفح ضفتاه، ثم لأصدرهم بطانا([11]) قد تخير لهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب([12])، ولانفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، ولكنهم بغوا فسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا فاسمعن. ومن عاش أراه الدهر العجب، وإن تعجبن فانظرن إلى أي نحو اتجهوا؟ وعلى أي سند استندوا؟ وبأي عروة تمسكوا؟ ولمن اختاروا؟ ولمن تركوا؟ لبئس المولى، ولبئس العشير.
استبدلوا والله الذنابي([13]) بالقوادم([14])، والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس([15]) قومٍ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿... أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾([16])؟
أما لعمر الله لقد لقحت، فانظروها تنتج[17] ثم احتلبوا طلاع القعب[18] دما عبيطا[19] وذعافا[20] ممقرا[21]، هنالك خسر المبطلون، وعرف التالون غب ما أسس الأولون. ثم طيبوا بعد ذلك نفسا، واطمئنوا للفتنة جأشا[22]، وأبشروا بسيف صارم، وهرج[23] شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم[24] حصيدا، فيا خسرى[25] لكم، وكيف بكم وقد عميت عليكم؟ ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

وعليه:
فقد أظهرت سلام الله عليها عبر هذا البيان ما أراده امير المؤمنين عليه السلام في بيانه للأصل الأول من أصول الأمن الفكري والمرتكز على قوله: وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم»([26]).

الهوامش:
([1])) نهج البلاغة بتحقيق الشيخ قيس العطار: ص415: طبعة العتبة العلوية.
([2]) المصدر السابق: ص432.
([3]) المصدر السابق: ص432.
([4]) تنمره : أي تغضبه ، يقال : تنمر الرجل إذا غضب وتشبه بالنمر .
([5]) تكافوا : أي كفوا أيديهم عنه .
([6]) لاعتلقه : لأخذه بيده .
([7]) السجح : السير السهل .
([8]) لا يكلم : لا يجرح ولا يدمي .
([9]) الخشاش : ما يكون في أنف البعير من الخشب .
([10]) لا يتعتع : أي لا يكره ولا يقلق .
([11]) البطان جمع بطين وهو الريان.
([12]) غير منتحل منه بطائل : أي كان لا يأخذ من مالهم قليلا ولا كثيرا . إلا بغمر الماء : أي كان يشرب بالغمر، والغمر : القدح الصغير . وردعه سورة الساغب : أي كان يأكل من ذلك قدر ما يردع ثوران الجوع .
([13]) الذنابي : ما يلي الذنب من الجناح .
([14]) القوادم : ما تقدم منه .
([15]) المعاطس : الأنوف .
([16]) يونس 10 : 35 .
[17] تنتج : تلد .
[18] ثم احتلبوا طلاع القعب : أي ملؤه . . . ، والقعب : القدح الكبير من الخشب .
[19] الدم العبيط : الطري .
[20] الذعاف : السم .
[21] الممقر : المر .
[22] أي مروعة للقلب من شدة الفزع .
[23] الهرج : الفتنة ، وشدة القتل .
[24] في معاني الأخبار : زرعكم .
[25] في معاني الأخبار : فيا حسرتي .
([26]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمن الفكري في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص184-187.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1061 Seconds