شهر الله في كلماتِ وليِّ الله

مقالات وبحوث

شهر الله في كلماتِ وليِّ الله

184 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي

إنَّ الله تعالى ميَّز بعض الأوقات والأماكن بمزايا أفصح عن حكمته في بعضها وأخفاها في بعضها الآخر؛ ليكون التقرُّب إليه خالصًا، وقد أوضح عن طريق الأنبياء والأوصياء طريقة التعامل مع مختصَّات تلك الأماكن والأزمان، والكيفيَّة التي ينال بها المؤمن بركاتها ويحظى بخيراتها، ومن الأزمان التي خصَّها الله تعالى ببركته شهر رجب الكريم الذي جعله الله تعالى أحد الشهور الحُرم بقوله تعالى: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)) [التوبة: 36] .

ثمَّ بعد ذلك تلا هذا الخطاب الإلهي أحاديث عن النبي محمَّد وأهل بيته (صلوات الله عليهم) في بيان فضيلة هذا الشهر المكرَّم، وممَّا جاء منه قول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله): ((ألا إن رجب شهر الله الأصم وهو شهر عظيم، وإنَّما سمي الأصم؛ لأنَّه لا يقاربه شهر من الشهور حرمة وفضلًا عند الله تبارك وتعالى، وكان أهل الجاهلية يعظِّمونه في جاهليتها، فلمَّا جاء الإسلام لم يزدد إلَّا تعظيمًا وفضلًا، ألا إنَّ رجب وشعبان شهراي، وشهر رمضان شهر أمتي))([1]) . وعنه أيضًا ((رجب: شهر الاستغفار لأمتي، أكثروا فيه الاستغفار فإنَّه غفور رحيم))([2])

ولعلَّ هذه الدرجة العُليا والمنقبة الكبرى لهذا الشهر الكريم متأتِّية من الحوادث التي جرت فيه، وأهمِّا ولادة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في اليوم الثّالِث عَشَر منه في جوف الكعبة([3])، ممَّا منح هذا الشهر الفضيل كرامةً عند الله تعالى؛ لكرامة وليِّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد وردت جملةٌ من الأعمال المستحبَّة فيه، وسنخصِّص الذكر بما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مشرِّف هذا الشهر بولادته الميمونة، ومن تلك الأعمال:

1. استحباب التصدُّق على الفقراء:

للصدقة في هذا الشهر الفضيل أجرٌ كريمٌ، وهي من المستحبَّات فيه؛ لما ورد عن عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: ((من تصدق بصدقة في رجب ابتغاء وجه الله أكرمه الله يوم القيامة في الجنة من الثواب بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))([4]) . فالصَّدقة في هذا الشهر أجرها مضاعف، وهي تختلف عن غيرها في الشهور الأخرى، ومن هنا علينا أن نغتنم هذه الفرصة ونتقرَّب إلى الله تعالى ببعض الصَّدقات ولا سيَّما ونحن بهذه الظروف التي تعطَّلت فيها أعمال النَّاس وتوقَّفت مصادر رزقهم فاتَّسعت على إثر ذلك حاجة الفقراء وازدادت معاناتهم، وعلينا أيضًا أن لا نستصغر حجم الصَّدقة فيما لو ضاقت بنا السُّبل فالقليل خير من العدم، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديثٍ طويل يشرح فيه أجر العبادة في شهر رجب وما جعله الله تعالى من خيرٍ لمن يتقرب إليه في هذا الشهر، وعندما أتمَّ كلامه قيل له فمن لم يستطع على العبادة فيه لعارض أو غير ذلك فقال: ((يتصدق كل يوم برغيف على المساكين، والذي نفسي بيده إنه إذا تصدق بهذه الصدقة كل يوم نال ما وصفت وأكثر، إنَّه لو اجتمع جميع الخلائق كلهم من أهل السماوات والأرض على أن يقدروا قدر ثوابه ما بلغوا عشر ما يصيب في الجنان من الفضائل والدرجات))([5]). وعلى ذلك فيلزم منَّا جميعًا أن نتكاتف في هذا الشهر بما جادت به الأيادي على قدر المستطاع ونذهب به إلى الفقراء حتَّى وإن كان قليلًا؛ لأنَّ القليل يجمع ويزداد بركة.

2. الصَّلاة:

وردت صلوات كثيرة في هذا الشهر الفضيل بكيفيات مختلفة وأجور متنوِّعة، وممَّا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها ما نقله الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: دخل عدي بن ثابت الأنصاري على أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم النصف من رجب وهو يصلي، فلمَّا أسمع حسَّه أومئ بيده إلى خلفه أن قف، قال عدي: فوقفت فصلى أربع ركعات لم أر أحدًا صلاها قبله ولا بعده، فلمَّا سلم بسط يده وقال: اللهمَّ يا مذل كل جبار ويا معز المؤمنين ، أنت كهفي حين تعييني المذاهب وأنت بارئ خلقي رحمة بي، وقد كنت عن خلقي غنيًّا، ولولا رحمتك لكنت من الهالكين، وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي، ولولا نصرك إياي لكنت من المفضوحين، يا مرسل الرحمة من معادنها ومنشئ البركة من مواضعها، يا من خصَّ نفسه بالشموخ والرفعة، فأولياؤه بعزه يتعززون، يا من وضعت له الملوك نير المذلة على أعناقهم ، فهم من سطواته خائفون، أسألك بكينونيتك التي اشتققتها من كبريائك، وأسألك بكبريائك التي اشتققتها من عزتك، وأسألك بعزتك التي استويت بها على عرشك، فخلقت بها جميع خلقك، فهم لك مذعنون، ان تصلي على محمد وأهلي بيته . قال: ثم تكلم بشيء خفي عنِّي ثم التفت إلي فقال: يا عدي أسمعت؟ قلت: نعم، قال: أحفظت ؟ قلت: نعم ، قال: ويحك احفظه وأعربه؛ فوالذي فلق الحبة ونصب الكعبة وبرأ النسمة ما هو عند أحد من أهل الأرض ولا دعا به مكروب إلا نفَّس الله كربته))([6])

3. الصيام:

من العبادات التي تمَّ التأكيد عليها في هذا الشهر برواياتٍ كثيرةٍ جدًّا هي الصيام، وقد أعدَّ الله تعالى لمن يتطوَّع فيه إليه أجرًا عظيمًا، وممَّا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك قوله: ((من صام يومًا من رجب في أوله أو في وسطه أو في آخره غفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن صام ثلاثة أيام من رجب في أوله وثلاثة أيام في وسطه وثلاثة أيام في آخره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر))([7]) .

4. إحياء لياليه بالعبادة:

لم يختص الله تعالى أيَّام شهر رجب دون لياليه بالفضل والكرامة؛ بل جعل لمن يتقرَّب إليه في الليالي أجرًا عظيمًا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((من أحيا ليلة من ليالي رجب أعتقه الله من النار وقبل شفاعته في سبعين ألف رجل من المذنبين))([8])

5. قراءة القرآن والأذكار:

نوَّع الله تعالى الأجر في هذا الشهر الشريف على أعمالٍ عدَّة حتَّى لا يُحرم منها أحدٌ، لأنَّها لو كانت محصورة في فئةٍ معيَّنةٍ من الأعمال لحرُم منها من لا يستطيع لتلك الأعمال، ومن هنا جعل الله تعالى أبوابًا كثيرةً لرحمته في هذا الشهر حتَّى تشمل كلَّ من يريد أن يتقرَّب إليه فيه، ومن تلك الأعمال المستحبَّة قراءة بعض سور القرآن الكريم والأذكار، وممَّا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) نقلًا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ((من قرأ في كل يوم من أيام رجب وشعبان ورمضان في كل ليلة منها كلاً من (الحمد) (وآية الكرسي) (وقُلْ يا أيُّها الكاِفُرونَ) (وقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) (وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) (وقُلْ أَعُوُذ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاث مرات، وقال: (سُبْحانَ الله وَالحَمْدُ للهِ وَلا إِلهَ إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ)، (وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِالله العَلِيّ العَظِيمِ)، وثلاثاً: (اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ) وثلاثاً: (اللّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ)، وقال أربعمائة مرة: (أَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) غفر الله له ذنوبه وإن كانت عدد قطر الأمطار وورق الأشجار وزبد البحار))([9]). إلى غير ذلك من الأعمال في هذا الشهر الكريم التي لا يمكن أن تستقصيها كلَّها، وعلينا أن لا ننسى زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الشهر الفضيل أو زيارة أولاده بحسب المستطاع، وبما تسمح به الظروف؛ حتّى لو كانت من المنازل فيما لو تعذَّر الوصول إلى مراقدهم المقدَّسة؛ كي تبقى في نفوسنا حرارة التواصل معهم واستمرار التعلُّق بهم . اللهمَّ بحقِّ المولود في هذا الشهر المبارك أن ترفع هذه الغمَّة عن هذه الأمَّة وأن تحفظ جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها .

الهوامش:


([1]) الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 627 – 628 .

([2]) النوادر، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي (ت: ق 3 هـ): 17 .

([3]) مصباح المتهجِّد: : 805 .

([4]) الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 635 .

([5]) المصدر نفسه: 632 .

([6]) قبال الأعمال، السيد ابن طاووس (ت: 664 هـ): 3/238 .

([7]) فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 37 – 38 .

([8]) الأمالي، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ): 635 .

([9]) مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي: (ت: 1359 هـ): 237 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1318 Seconds