من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي: ثانيًا: أثر تطبيق حد القذف

مقالات وبحوث

من آثار قضاء الإمام علي عليه السلام في الفقه الجنائي على بناء الأساس الاجتماعي: ثانيًا: أثر تطبيق حد القذف

467 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-08-2021

بقلم: م. م. وئام علي القره غولي

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ولا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على المحمود الصادق الأمين المنتجب المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.
وبعد:
لاشَكّ أن فرض الأمن والطّمأنينة في الحياةِ الفَردية والاجتماعية مِن الأمور الأساسية التي سعى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) إلى تحقيقِها في دولتهِ، وذلك عبرِ إقامةِ الحُدود على المُعتدين التي كانَ لها أثرٌ في اختفاءِ بوادر الانْحراف والفساد في المُجتمع، ولبيانِ تلك الآثار وإيضاحها سنتناول في هذا المَطلب أثر تطبيق حدّ الزّنا ومُلحقاته، وأثر تطبيق حد القذف، ومن ثمّ أثر تطبيق عُقوبة القَصاص والدّية، إضافة إلى أثر تطبيق عقوبات التّعزير.
ثانيًا: أثر تطبيق حد القذف
ذكرنا أن الشريعة حرّمت الزنا، وأوجبت الحد على فاعلهِ، فقد حرمت أيضًا كلّ الأسباب المُسببة له، وكلّ الطّرق الموصلة إليه، ومنها إشاعة الفاحشة والقذف بها، وذلك لتنزيهِ المُجتمع مِن أن تسري فيه ألفاظ الفاحشة والحديث عنها، لأن كثرة الحديث عَن الزّنا وكثرة القذف به، سيهون أمرها على سامعيِها ويجرئ ضُعفاء النّفوس على ارتكابِها[1].
 لذا أوجبت على مَن قذف مؤمنا حد القذف وهو ثمانونَ جلدة، وعدم قبول شهادته إلا بعدَ توبته، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  Qإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ([2].
فالقذف يُعدُّ ((عدوان على نظامِ الأسرة، لأنّ القذفِ في الشّريعة قاصر على ما يمسُّ الأعراض والنواميس، ولأن القذف الماس بالأعراض هو تشكيك في صحةِ نظام الأسرة، فمن يقذفُ شخصا فإنّما ينسبه لغيرِ أبيه، ومن ثم لغيرِ أسرته، وإذا ضعف الإيمان بنظامِ الأسرة فقد ضعفَ الإيمان بالجّماعة نفسها، لأن الجماعة تقومُ على هذا الإيمان))[3]، لذا نجد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عدّ هذه الجّريمة من الكبائر، إذ يقول (عليه السلام) ((من الكبائرِ قتل المؤمن متعمدا... ورَمي المُحصنات الغافلات المؤمنات))[4].
ومِن هذا المُنطلق يبلغ اهتمام الإمام (عليه السلام) ذروته إذ عَمدَ (عليه السلام) إلى إتّباع مَبدأ الشّدة والحزم في تنفيذِ الحدّ على مَن ارتكبَ هذا الذّنب، وعَدم التّساهل أو التّهاون فيه، وذلك من اجلِ تحقيقِ المَصلحة الاجتماعية، إذ روى ابن شهر آشوب: ((أتُي إلى عمر برجلٍ وامرأة، فقالَ الرّجل لها يا زانية، فقالت: له أنتَ أزنى مني، فأمرَ بأنْ يجلدا، فقال علي (عليه السلام): لا تعجلوا، على المَرأة حدّان وليسَ على الرّجلِ شيء منها، حدّ لفريتها، وحدّ لإقرارِها على نفسها؟ لأنّها قذفته، إلاّ أنّها تضربُ ولا تضرب بها الغاية))[5].
والقصد مِن هذا التّشدد والحَزم في تَنفيذِ العُقوبة عَلى مَن يقذف الآخرين هو المُحافظة  على الأخلاقِ والأعراض من أن تُدّنس بالشبه المُزيفة، وأن لا يتجرأ شخص على إلصاقِ التّهمة بشخصٍ آخر من دونَ دليل قاطع، فالعرض أهم ما يملكه الإنسان، وترك مُعاقبة القاذف بالفاحشةِ بغيرِ بينة، سبب انتشار الرّذيلة والفوضى، فالمقذوف لن يتنازل عن حقّه ولن يترك القاذف من دونِ انتقام، إذا لم يَكن هُناك قضاء ينفذ العُقوبة على مَن يَعتدي على الآخرين، فإنّ الشّخص بذلك سوفَ يَلتجأُ إلى أخذِ حقّه بنفسهِ مما يشيعُ الفوضى بينَ أفراد المُجتمع، وأشارَ الإمامُ علي (عليه السلام) إلى خطرِ ذلك بقوله: ((كم من دم سفكه فم))[6]، وهذا بدورهِ يُؤدّي إلى زعزعةِ الأمنِ والاستقرار في المُجتمع.
ولم تقتصر العُقوبة عند الإمام علي (عليه السلام) على مَن يَرمي الآخرين بالزّنا واللواط وغيره بل شملت كل لفظ يمسُّ بكرامةِ الإنسان وعرضه، إذ روى عُثمان بن عيسى عن سماعة قال: ((إنّ رجلا قالَ لرجلٍ على عهدِ أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّي احتلمت بأمك فرفعه إلى أميرِ المؤمنين (عليه السلام) قالَ: إن هذا افترى على أمّي فقالَ له: وما قال لك؟ قال: زعم أنّه احتلمَ بأمّي فقالَ: له أمير المؤمنين (عليه السلام): في العدلِ إن شئتَ أقمته لك في الشّمس فأجلد ظله، فإن الحُلم مثل الظّل، ولكنْ نضربه حتى لا يعود يؤذي المُسلمين))[7].
ويَتضحُ مِن الرّواية أنّ الإمام علي (عليه السلام) قد وازنَ بين المصلحة الاجتماعية وهي عقوبة الضّرب حتى لا يعود يؤذي المُسلمين، وبين مَصلحة المجني عليه وهو جلد الظل، وتلك الموازنة حققّت الغرض مِن القضاءِ وهو عدم العَبث لفظا بأعراضِ المُسلمين[8].
وجملة ما تقدّم يتضح أن تطبيق هذا الحدّ له أثرٌ كبيرٌ في المجتمع إذ يعد الحارس على ألسنة الأفراد من أن تنطق زورا على الآخرين، ففي تنفيذهِ رادعا للكثيرِ من الألسنة التي تهدفُ إلى الخوضِ في أعراضِ النّاس وتدنيسها بالشّبهات، وإضافة إلى ذلك فإن للحدّ أثره في رفعِ المُستوى الأخلاقي في المُجتمع فعقوبة القذف لها أثرها التربوي في تحقيقِ الرّدع والزّجر، فبإقامةِ الحدّ على القاذف فإنّه يشتهر بالكذبِ في مُجتمعهِ وهذا يُعد من أشدّ العُقوبات إيلاما للنفس، التي تمنعُ القاذف من أن يعاود ارتكاب جريمته.[9].

الهوامش:
[1] ينظر: آثار تطبيق الشريعة الإسلامية: الزاحم، ص 110.
[2] سورة النور: الآية 4-5.
[3] الحرية بين الدين والدولة: الصفار، ص 195.
[4] جامع أحاديث الشيعة: البروجردي، 13/359.
[5] مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب،2/182.
[6] عيون الحكم والمواعظ: الواسطي، ص 379.
[7] الكافي: الكليني،7/263.
[8] ينظر: الصديق الأكبر: الأعرجي، ص885.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفقه الجنائي في قضاء الإمام علي عليه السلام وأثره في بناء الدولة الإسلامية، الدكتورة ناهدة الغالبي، الباحثة وئام القره غولي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 241-244.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1376 Seconds