من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 12- الرَّهْـنُ

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 12- الرَّهْـنُ

428 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 06-09-2022

بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

وبعد:
جاء هذا اللفظ في تسعة عشر موضعاً ليدلَّ على:  الرهن المجازي:  فلم يرد الرَّهْن بالمعنى الحقيقي (المادي)  وهو الحَبْسُ ؛ بل جاء الرَّهْن بالمعنى المجازي،  فعَبِّر به الإمام (عليه السلام)  عن (الأرواح،  الأنفس،  الحـَـبْس في القبورِ،  التقوى،  الودائع،  ومرة واحدة كناية عن سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)،  وجاء الفعل الماضي المزيد (ارْتَهَن)  على زنة (إفْتَـعَـل)  مرة واحدة في النَّهْج،  للدّلالة على معنى الإتّخاذ،  وذلك في قوله في فضل القرآن: « فَالْقُرآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ،  وَصَامِتٌ نَاطِقٌ،  حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ،  أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَهُ، وَارْتَهَنَ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ» [1]،  فأرواح العباد كلـٌّها في قبضته رهينة على الوفاء بحقه تعالى،  ولمّا كانت ذمم المكلفين مشغولة بما تضمنه القران من التكاليف والأحكام كان اللازم عليهم الخروج عن عهدة التكاليف،  فقد شبهّهم بالعين المرهونة لدَين المٌرتَهن،  ففك رهانها موقوف على أداء حق صاحب الدَّين فكذا فك رهانة هؤلاء موقوف على عملهم بالتكاليف الشرعية،  والأوامر المطلوبة[2].
والمصدر (رَهْنُ) على زنة (فَعْلٌ)  ورد مرتين،  للدلالة على معنى المَنع والحبس،  منها خطبته في صفة من يتصدى للحكم بين الامة: « إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَى اللهِ تعالى رَجُلانِ:  رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ،  فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ،  مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَة،  وَدُعَاءِ ضَلاَلَة،  فَهُوَ  فِتْنَةٌ لَمِنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْي مَنْ كَانَ قَبْلَهُ،  مُضِلُّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ،  حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ،  رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ»[3]،  فلا فكاك لهذا الرهن،  ولاثمن عذاب الحريق،  فـ(رَهْنٌ بخَطِيئته)  قيل:  لأنه إن كان ضالًا في دعوته مضلاً لمن اتبعه، فحمل خطاياه وخطايا غيره لأنّه رهن بخطيئتين معاً[4].

   وجاء متصلاً بضمير الغائبة (ها) على زنة (فِعَال)  جمع تكسير من أوزان الكثرة،  وهو يدلُّ على المشاركة،  الفرق بين الرَهْنِ والرِّهَان ؛ في الصِيغة والدِّلالة فـ(الرَّهن)  زنة (فَّعل)  و(الرِّهاَن)  زِنَة (فِعَال) الأول عام والثاني خاص يقتصر على رِهان الخيل مثلاً،  وقوله فيما يجري مجرى الخطبة: « وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا،  وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً،  وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً،  فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا،  وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا»[5]،  فرِهانها:  الجعل الذي وقع عليه التراهن،  ويقصد به مايرهن ويستبق عليه للمبالغة من رهان الخيل،  وهو كناية عن سرعة السير وتقدمه نحو الفضائل قبل الكل[6]،  فالباء للإلصاق كأنّ الرِّهان التصق به وعشقه فلم يبرحه الى غيره.

وجاء اسم المفعول من الفعل (يَرْتَهن)  أي من غير الثلاثي على زنة (مُفْتَعَل)  في قوله (عليه السلام)  في ذم أهل البصرة: « كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ،  وَأَتْبَاعَ البَهِيمَة،  رَغَا فَأَجَبْتُم،  وَعُقِرَ فَهَرَبْتُم،  أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ،  وَدِيْنُكُمْ نِفَاقٌ،  وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ المُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَن بذَنْبِهِ،  وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمة مِنْ رَبِّهِ» [7].  المٌرْتَهَن:  من الارتهان والمراد المُؤاخذة،  أي أنّـه وصف المُقيم بين أظهرهم (مُـرتَـهَن بذنبهِ)  ؛ لأنه بإقامته بينهم إمّا أن يشاركهم في الذنوب فلا ينكرها،  ومذهبنا لاتجوز الإقامة بدار الفسق او الكفر،  فالإمام (عليه السلام)  هنا استعمل الكناية ؛ ليوبخهم ويقرعهم بعد واقعة الجمل،  وممَّا يعمق دلالة الوصف السالب لأهل البصرة،  فيجعل فعل الخطيب يتعدَّى من السَّلب الى الإقذاع والهِجاء ـ هو أنهم كانوا جُـنداً لعائشة ـ وضمير المخاطبين (كم)  في (أظهركم)  يخصُّ أهل البصرة،  والمرأة عائشة والبَهيمة:  الجمل،  الذي سميت الواقعة بإسمه،  استعمل الإمام (عليه السلام)  هنا الزمن بإنواعه الثلاثة ؛ جاء الماضي في (كنتم،  رغا (صوته)  وعُقِر أي ذبح او جرح او ضربت قوائمه) [8].

    وجاء الزمن الحاضر منه في (أخلاقكم، عهدكم، دينكم، ماؤكم) وهي جمل إسمية دالة على الثبات والدَّوام. فـ(أخلاقهم،  عهدهم،  دينهم،  ماؤهم)  وُصِفَت بـصفات سلبية (دِقاق (دنيئة)،  شِقاق،  نِفاق،  زعاق (مالح))،  ولمّا كان عمل أهل البصرة سالباً في كلٍّ من الزمانين الماضي والحاضر،  وصف الإمام (عليه السلام)  مستقبل البصرة في صورة عذاب يُـصَبُّ عليهم فيفرقهم بالماء بقوله (المُقيم بين أظهركم مُرتَهن بذنبه)  أي:  مُؤاخَذٌ ؛ وإتَسًم الكلام بنفَسٍ تصاعدي حادٍ يظهر في طريقته في عرض الصُّور؛ ليشدّ انتباه الجمهور،  إلا أنّ القسم الذي وردت فيه مفردة (مُرْتَهَن)  خلا من أية صورة.  وهو الزمن الثاني (الحاضر)، وهي جمل إسمية تدلُّ على الدّوام والثَبات.
    وقال في العِظَة بالتّقوى جاء اسم المفعول مجموعا جمع مذكّر سالم: » فَارْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ،  وَبِإضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ،  وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بأَعْمَالِكُمْ،  فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ»[9]،  فـ(مُرْتَهَنٌون)  خبر (إنَّ)  مرفوع،  بالذنوب محتاجون الى فك رهانها،  ولفظ (المرتهن) مستعار للنفوس الاثمة باعتبار تقيدها كتقيد الرّهن المُتَعَارف بما عليه من المال وإمتكانه بأدائه[10].
وجاء المؤنث من اسم المفعول مُرْتَهَنَةعلى زنة (مُفْتَعَلة)  ملحقا به التاء الدالة على المبالغة والكثرة؛ لأن المفرد عندما يكون خبرا أو صفة أو تمييزا يدل على الكثرة،  فالجِبال العالية أكثر من الجبال العاليات قائلاً: « وَالاْرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا»[11].
والمُراد بـ(المُرْتَهَنَة):  المَقْبُوضَة،  بثّقل أعمالها وأحمالها لأنّ الإنسان روح،  وبدن،  والبَدَن بعد الموت للعفونات،  والحشرات،  أمّا الرّوح فلهول الحِسَاب عن الأعمال،  وماحملت من الأثقال[12]. وورد (رَهَيِن) على زنة (فَعَيِل)  صفة مشبهة في التذكير بضروب النِّعم: « وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الاْمُوَاتِ رَهِيناً»[13].

حال من غُودِر أي حَبَيسَا في لِحْدِهِإ الى يوم يُبْعَثُون [14]
وجاءت لفظة (رَهِيْنَة) على زنة (فَعِيْـلَة)  أربع مرات في النَّهْج،  ثلاثا منها مُنَكرة ومرة واحدة معرفة بـ(ال)  التعريف، وهي قوله (عليه السلام)  مخاطبا رسول الله عند دفنه لفاطمة الزهراء: « إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ،  فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ،  وَأُخِذَتِ الرَّهِينَة»[15]. فهي وديعة رسول الله التي أودعها علياً (عليه السلام)،  وهنا فن المماثلة،  ترديد الألفاظ المتماثلة على المعنى الواحد لتوكيده،  وهي (الوديعة والرهينة)  [16].
وقد عُرِفَّت بـ(ال) ؛ لأنَّها معروفة.  أمّا المراد بـ(رهينة الايام)  فبلحاظ أنَّ وجوده مرتبط بالأوقات وداخل في حكمها كأرتباط الرَّهن بيد المرتهن[17].
و «رَهنْتُ الشيء فلاناً رَهْناً.  فالشَّيءُ مَرْهُون.  وأرْهَنْتُ فُلانَا ثَوبَاً.  إذا دفَعته إليه لِيرهَنه.  وارْتَهَنه فلان.  إذا أخذه رَهْنا.  والرُّهون.  والرِّهان والرٌهُن ُ: جمع الرَّهن.  والمُراهنة والرِّهان: أن يُراهِنُ القومَ على سباقِ الخَيلِ وغيره.  وأرْهَنْتُ الميَّتَ قَبْرَا: ضَمَّنتّه إياه.  وكلِّ أمرٍ يُحْتبَس به شيءٌ فهو رَهْنُهُ.  ومرتهنه.  كما أنَّ الإنسان رهين عمله»[18].

   قال احمد بن فارس: «الرَّاء والهاء والنون أصل يدلُّ على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره.  من ذلك الرًهن: الشَّيء يترْهن.  تقول رَهْنتُ الشَّيء رَهْناً ؛ ولايقال أرهنت.  والشّيء الرَّاهن الثابت الدَّائم.  ورهن لك الشيء: اقام وارهنته لك: اقمته، وقال ابو زيد: أرْهَنْتُ في السِّلْعَة إرْهَانا: غاَلَيْتُ فيها.  وهو من الغَلاء خاصةً.  ما وضع عند الإنسان مِمَّا ينوبُ مَناب ما أُخذ منه.  يقال:  رَهَنْتُ فُلانا دارا رَهننا،  وارْتَهَنهُ إذا أخذه رَهْنا،  والجمعُ رُهُون ورِهَان ورُهُن.، وأرهن بالسِّلْعَة:  غَالى بِها،  وبَذل فيها مَالَه حَتَّى أدْرَكَها»[19].

  والرًهْن في الشَّرَعِ: « حَبْسُ الشَّيء بحقٍ يُمْكِنُ أخْذَهُ مِنْه كالدَّيْنِ،  ويُطلَقُ على المَرهُون تسميةً للمفعولِ بإسم المَصْدَر»[20].
  وعرّف الرَّاغب الرَهْن بقولهِ: « مايُوضَعُ وثيقةً للدَّيْنِ،  والرِّهان مثله،  لكنَّ يُخْتَصُ بِما يُوْضَع في الخطار وأصله مصدر،  يُقال رَهَنتُ الرَّهْنُ ورَاهَنْتُه رِهاَنا فهو رَهِين ومَرهُون،....لمَّا كان الرَّهنُ يُتصَورُ منه أنَّه أستعير ذلك لِحَبْسِ أيِّ شيءٍ كان»[21])[22].


[1] نهج البلاغة: خ 183، 192.
[2] ظ: منهاج البراعة: 10 / 305.
[3] نهج البلاغة: خ 17، 24.
[4] ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 314 وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 264.
[5] نهج البلاغة: خ 37، 42.
[6] ظ: منهاج البراعة: 4 / 410.
[7] نهج البلاغة: خ 13، 21.
[8] ظ: اسلوب علي بن ابي طالب في خطبه الحربية: 339 ـ 342.
[9] نهج البلاغة: خ 190، 204.
[10] ظ: منهاج البراعة: 10، 181.
[11] نهج البلاغة: خ 83، 70.
[12] ظ: منهاج البراعة: 6 / 12، وظ:  في ظلال نهج البلاغة:  2 / 160.
[13] نهج البلاغة: خ 83، 70.
[14] ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 160.
[15] نهج البلاغة: خ 83، 70.
[16] ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 5.
[17] ظ: منهاج البراعة: 5 / 331.
[18] ظ: العين (مادة رهن): 4 / 44.
[19] مقاييس اللغة: 2 / 452.
[20] التعريفات: 98.
[21] ظ: المفردات في غريب القرآن: 270، وظ: المصباح المنير: 242.
[22]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 103-108.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1955 Seconds