العصبية ... في رحاب القاصعة (3)

مقالات وبحوث

العصبية ... في رحاب القاصعة (3)

 خُطَى الخُزاعي
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((ألا ترونَ أنَّ الله سبحانه أختبر الأولين من لدن آدم (صلوات الله عليه) إلى الآخرين من هذا العالم بأحجارٍ لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قيامًا، ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرًا، وأقل نتائق الأرض مدرًا، وأضيق بطون الأودية قطرًا، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خف، ولا حافر ولا ظلف... ابتلاءً عظيمًا وامتحانًا شديدًا واختبارًا مبينًا، وتمحيصًا بليغًا جعله الله سببًا لرحمته، ووصلةً إلى جنته))([1]).
الحاقًا بما تقدَّم من كلام حول موضوعة العصبية، وربطًا بالمعنى الذي تعرض له أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في الحكمة من جعل الله تعالى الأنبياء أُناسًا مستضعفين بمنظور أهل الدنيا، ضرب في طول هذا المعنى أمثلة محسوسة مُعاشة من لدن متلقي الخطاب، متمثلة بالفرائض والتكاليف الإلهية المتضمنة للمعيار الكاشف عن الخلوص في الطاعة، والمحدِّد للجزاء، والمفاضل بين الناس، وهو المشقة المكتنفة لهذه التكاليف ومدى تعاطي المكلف بإزائها، فهذا بيته المعظَّم ما هو الّا أحجار في بقعة من أكثر بقاع الأرض فقرًا في المناخ والطبيعة، جعل تعالى من قصده والحج إليه، وأداء شعائره التي بها يُصار إلى حالة من التذلل والخضوع تكليفًا على العباد، تنكشف به حقيقة الطاعة والامتثال بمواجهة من المشقة والصعاب، وعامل فرز حقيقي بين النَّاس، ثم المؤدَّى إلى حيث رحمة الله تعالى والكون في جنانه العريضة لمن تحمل وأطاع، ثم يزيد في البيان (صلوات الله وسلامه عليه) مؤكّدًا على علة جعل البيت في الأرض القفر، بفرض عكس هذا الجعل، بأن لو أراد الله تعالى جعل بيته الحرام في أرض خصبة عامرة بالإمكانات محفوفة بالتسهيلات، لقدح ذلك في قدر الجزاء تبعًا لضعف البلاء، إذ لا معيارًا حقيقيًا في الكشف عن حقائق النفوس والتمييز بينها، فمتى ما كان الأمر سهلًا تكون الاستجابة غالبة، فلا شك يبادر الصدور، ولا مؤونة من صراع مع إبليس وجنده، ولا مجال لأن يعتلج الرَّيب قلوب الناس فيشغلها مبطِّئًا امتثالها، بخلاف فيما لو كان الأمر شاقًا على النفوس، متطلِّبًا قدرًا من التحمل والمجاهدة، عندها سيكون الابتلاء محكًا في تصنيف الناس، إذ به يستل تبارك وتعالى نوازع الكبر- أجلى مظاهر العصبية- من النفوس، ويعزز التذلل فيها بشرط الصبر والمجاهدة من جهة القابل، وبتباين الاستجابة تتجلى المضمرات والحقائق، فقال (صلوات الله وسلامه عليه): (ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام، ومشاعره العظام بين جنات وأنهار، وسهل وقرار، جم الأشجار، داني الثمار، ملتف البنا، متصل القرى، بين برة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، ورياض ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء، ولو كان الأساس المحمول عليها، والأحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء لخفف ذلك مسارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس، ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجًا للتكبر من قلوبهم، وإسكانًا للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبوابًا فتحًا إلى فضله، وأسبابًا ذُللًا لعفوه) ([2])، ثم يسرد (صلوات الله وسلامه عليه) مؤكِّدًا وبمزيد توجهٍ الحكمة من تكاليف الله تعالى وفرائضه من صلاة وصيام وزكاة، بعيدًا عن جنبة العناء والتعب التي تتضمنها، والنظر إليها من جهة مُؤداها، فهي كالجُنَّة الواقية للعباد تحول دون الكِبْر أخطر مصائد أبليس التي يستعين بها على الخلق فيوردهم المهالك، فما من عبادة مفروضة إلّا وفيها تربية للنفس على التواضع والتذلل، وتخليصها من شوائب الكبر والفخر فقال (صلوات الله وسلامه عليه): (فالله الله في عاجل البغي، وآجل وخامة الظلم، وسوء عاقبة الكبر فإنها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة، فما تكدي أبدًا، ولا تشوي أحدًا، لا عالمًا لعلمه، ولا مقلًا في طمره، وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات ...أنظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر، وقدع طوالع الكبر)([3])، وأخيرًا استثنى (صلوات الله وسلامه عليه) من مفهوم العصبية ذي المصاديق المرجوحة المتقدِّمة في البيان، مصاديقًا أُخرى راجحة مطلوبة، إذ قال: (فإن كان لا بُدَّ من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل بالأخلاق الرغيبة، والأحلام العظيمة، والأخطار الجليلة، والآثار المحمودة، فتعصبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي، والاعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض)([4])، وأيضًا ممَّا ورد في الأثر الشريف من الحثِّ على التعصب للعقيدة الحقة، ببيان ما أعدَّه الله تعالى من جزاء جزيل لمن تأخذه الحمية على دين الله، ويتعصب للأدلاء على الله (صلوات الله وسلامه عليهم) بالتمسك بنهجهم وهداية الناس إليهم، إذ روي عن إمامنا الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) أنَّه قال: (أفضل ما يقدمه العالم من محبينا وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته وذُلِّه ومسكنته، أن يغيث في الدنيا مسكينًا من محبينا من يد ناصب عدو لله ولرسوله، فيقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان الله، فيحملونه على أجنحتهم ويقولون: طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الأبرار، ويا أيُّها المتعصب للأئمة الأخيار)([5]).
والحمد لله رب العالمين حمدًا متصلًا متواصلًا والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
الهوامش:
[1])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/146-147.
[2])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/147-148.
[3])) نهج البلاغة، شرح: الشيخ محمد عبده: 2/148-149.
[4])) المصدر نفسه: 2/150.
[5])) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي (ت:548 هـ): 1/12.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0837 Seconds