شمس البَاقِر (عليه السَّلَام) ترقد في البَقيع

مقالات وبحوث

شمس البَاقِر (عليه السَّلَام) ترقد في البَقيع

البَاحِث: سَلَام مَكيّ خضيّر الطَّائِي.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلَام على مُحَمَّد بن عبد الله وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين والغرّ الميامين المنتجبين، واللّعن الدَّائم على أعدائهم أجمعين من الأوَّلين والآخرين، ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهار إلى قيامِ يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
ففي اليوم السَّابع من ذي الحُجَّة تمر علينا ذكرى شهادة إمامنا ومولانا وسليل النّبوَّة الإمام مُحَمَّد البَاقر بن الإمام عَلِيّ السَّجَّاد (عليهما السَّلَام)، فرحل (عليه السَّلَام) بعد أن أثرى الساحة الدِّينية والفكريَّة بالعلوم والمعارف، تاركًا خلفه جُرحًا عميقًا في قُلُوب شيعته ومواليه ومُحبِّيه، لن يشفى ذلك الجُرح إلى يوم يُبعثون.
اسمه (عليه السَّلَام) ونسبه:
اسمه (عليه السَّلَام) اقترن باسم جدّه النَّبيّ مُحَمَّد المُصطَفى (صلَّى الله عليه وآله)، فكان اسمه (عليه السَّلَام): (مُحَمَّد).
أمَّا نسبه: فهو الإمام مُحَمَّد الباقر، بن الإمام عَلِيّ السَّجَّاد، بن الإمام الحُسَين الشَّهيد، بن الإمام عَلِيّ بن -عبد مناف- أبي طالب (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام أجمعين).    
أُمّه (عليه السَّلَام):
وأُمّه (عليه السَّلَام) السَّيِّدة العلويَّة: فاطمة بنت الإمام الحَسَن المُجتبى بن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليهم السَّلَام)، وتُكنَّى (عليها السَّلَام) بـ(أُم عبد الله)، فالإمام الباقِر (عليه السَّلَام) هو أَوَّل من اجتمعت له ولادة الإمام الحَسَن المُجتبى والإمام الحُسَين الشَّهِيد (عليهما السَّلَام)، فأصبح (عليه السَّلَام) علويّ فاطميّ بين علويّين فاطميّين[1]، فأمّه السَّيِّدة فَاطِمَة (عليها السَّلَام) امرأة جليلة من النساء الحسنيَّات الفاطميَّات العلويّات، التي تجلّت فيها كلّ صفات آل البيت النَّبويّ، فلها (عليها السَّلَام) من الفضلِ والكرامة: أنَّهَا أوَّل علويَّة ولدت علوي، وهو الإمام مُحمَّد بن عَلِيّ الباقِر (عليهما السَّلَام)، وكان الإمام عَلِيّ بن الإمام الحُسَين السَّجَّاد (عليهما السَّلَام) يُسمِّيها (عليها السَّلَام) بـ(الصِّدِّيقة)، وغيرها من الفضائل والكرامات والمعاجز[2].
كنيته وألقابه: كان إمامنا الباقر (عليه السَّلَام) يُكنَّى بأبي جعفر، وهو الإمام جعفر الصَّادِق (عليه السَّلَام).
أمَّا ألقابه (عليه السَّلَام) فكان يُلقَّب بعدّة ألقاب منها: البَاقِر، وهذا لقّبه به جدّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فقال عنه (عليه السَّلَام): (يبقر العلم بقرًا)[3]، والشاكر، والهادي، والأمين، ويدعى (عليه السَّلَام): الشَّبيه، لأَنّه كان يشبه جدّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)[4].
ولادته (عليه السَّلَام): وُلِد الإمام مُحَمَّد الباقر (عليه السَّلَام) وأشرقت الدُنيا بنور وجهه الشَّريف، في مدينة جدّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في المدينة المنوَّرة، سنة سبع وخمسين، قبل شهادة جدّه الإمام الحُسَين بن عَلِيّ بن أبي طالب (عليهم السَّلَام) بثلاث سنين، وقيل: ولد (عليه السَّلَام) سنة خمس وخمسين[5].
إمَامته (عليه السَّلَام) وممَّا ورد فيها: إِنَّ الإمام مُحَمَّد بن عَلِيّ الباقِر (عليهما السَّلَام) تصدَّى لأمر الإمامة المباركة وتولِّي أمر الأُمَّة الإسلاميَّة، بعد شهادة أبيه الإمام عَلِيّ السَّجَّاد بن الإمام الحُسَين الشَّهِيد (عليهما السَّلَام)، ومن الرّوايات الواردة فيها، ما رُوي عن النّبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، إذ إنَّه قال: (إذا مضى الحُسَين (عليه السَّلَام) قام بالأمر بعده عَلِيّ ابنه (عليه السَّلَام)، وهو الحُجَّة والإمام، ويخرج الله من صلب عَلِيّ ولدًا سميي وأشبه النَّاس بي)[6].
علمه وفقهه (عليه السَّلَام): قد اشتهر في العالم بروزه على الخلق في العلم والزّهد والشّرف والورع والإيمان والفقه، وعلم القرآن والآثار والسّنن وأنواع العلوم الأخرى، والحكم والآداب واختلف إليه (صلوات الله عليه) بقايا الصَّحابة ووجوه التَّابعين وفقهاء المُسلمين، وعرفه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بـ(باقر العلم) على ما رواه نقلة الآثار[7]، فورث (عليه السَّلَام) علم النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، فروي عنه (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال في حقّ علمه (عليه السَّلَام): (علمه علمي، وحكمه حكمي)[8].
فيُعد الإمام الباقِر (عليه السَّلَام) مصدر التّشريع الدِّيني والفقهيّ، فكان (عليه السَّلَام) يبقر العلم بقرا كما وصفه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أَنَّه قال: قال لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (يوشك أن تبقى حتَّى تلقى ولدًا لي من الحُسَين (عليه السَّلَام) يقال له: مُحَمَّد يبقر علم الدِّين بقرًا)[9].
وروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه يقول: (لو وجدت لعلميّ الذي آتاني الله (عزَّ وجلّ) حملة لنشرت التَّوحيد، والإسلام والايمان، والدّين، والشَّرائع من الصّمد، وكيف لي ولم يجد جدِّي أمير المُؤمنين (عليه السَّلَام) حملة لعلمه؟)[10].
فأظهر (عليه السَّلَام) من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللَّطائف ما لا يخفى إِلَّا على منطمس البصيرة أو فاسد الطّويّة والسَّريرة، فهو (عليه السَّلَام) جمع العلوم وبقرها وشهرها ونشرها[11].
وكانت مدرسته بالمدينة في داره وفي المسجد يأتيه فقهاء الحجاز وعلماؤه فيأخذون عنه ويدونون ما أخذوه ويأتيه الناس من جميع الآفاق من العراق وغيرها في موسم الحج فيقيمون مدة في المدينة ويأخذون عنه (عليه السَّلَام) ويسألونه عمَّا أشكل عليهم وإذا عادوا إلى بلادهم حدثوا عنه بما سمعوه منه ودونوه وكانوا في بحر السنة يحفظون ما أشكل عليهم، فإذا وردوا المدينة سألوه عمَّا حفظوه من المسائل، وكان علماء الصَّحابة يستفتونه ويرجعون إليه[12]، فيروى: أنَّ رجلًا سأل ابن عمر عن مسألة، فلم يستطِع أن يجيبه، فقال له: اذهب إلى ذلك الغلام فاسأله وأعلمني بما يجيبك، وأشار به إلى الإمام مُحَمَّد بن عَلِيّ الباقر (عليهما السَّلَام)[13].
جدّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقرئهُ السَّلَام: 
من مناقبه (عليه السَّلَام) أنّ جدّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أهدى له وأقرأه سلامه على لسان جابر بن عبد الله (رضوان الله عليه)، فقال (صلَّى الله عليه وآله): (يا جابر إنَّك تعيش حتَّى تدرك رجلًا من أولادي اسمه اسمي يبقر العلم بقرًا، فإذا رأيته فاقرئه منّي السَّلَام)، فأدركه جابر ... فأقرأه عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) السَّلَام المستطاب، ... وهذه منقبة لم يشركه فيها أحد...، بل تفرد بها من بين الأحباب)[14].
شهادته (عليه السَّلَام): أُستُشهِد الإمام أبو جَعْفَر مُحَمَّد الباقر (عليه السلام) بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، وله (عليه السَّلَام) سبع وخمسون سنة، وقيل: إنَّ سبب شهادته (عليه السَّلَام) كان: هو أنَّ اللّعين إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك دسَّ له السّم، فاستُشهِد (عليه السَّلَام) على أثر ذلك[15].
مرقده الشَّريف (عليه السَّلَام): مرقده الشَّريف والطَّاهر في مقبرة بالبقيع، في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحَسَن (عليهم السَّلَام)، في القبة التي فيها العبَّاس، وأوصى إلى ابنه جَعْفَر (عليه السَّلام)، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلِّي فيه يوم الجمعة، وأن يعمّمه (عليه السَّلَام) بعمامته، وأن يربّع قبره ويرفعه أربع أصابع، وأن يحلّ عنه أطماره عند دفنه[16]، فعظّم الله تعالى لنا وللقارئ الكريم الأجر والثَّواب، بهذا المصاب الجلل، والسَّلَام عليك يا إمامنا يا مُحَمَّد الباقِر بن الإمام عَلِيّ السَّجَّاد وعلى آبائك وأجدادِك وأبنائك، ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهَار، ولعن الله تعالى قاتليك إلى أبد الآبدين، وصلَّى الله تعالى على نبيّنا وشفيعنا وحبيبنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، إنَّه سميعٌ مُجيب...
الهوامش:
[1] ينظر: شرح الأخبار، القاضي النّعمان المغربي: 3/276، موسوعة الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت (عليهم السَّلَام)، مؤسَّسة دار المعارف الفقه الإسلامي: 1/135.
[2] ينظر: دلائل الإمامة، مُحَمَّد بن جرير الطَّبريّ (الشِّعي): 217.
[3] معارج الوصول إلى معرفة آل الرَّسُول (صلَّى الله عليه وآله)، الشَّيخ مُحَمَّد الزّرندي الحنفيّ: 122.
[4]  دلائل الإمامة: 216.
[5] ينظر: معارج الوصول إلى معرفة آل الرَّسُول (صلَّى الله عليه وآله): 121-122.
[6] موسوعة المُصطَفَى (صلَّى الله عليه وآله)، والعترة (عليهم السَّلَام)، الحاج حسين الشَّاكريّ: 8/53.
[7] يُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ الطبرسي: 1/505.
[8] الانوار البهيَّة، الشَّيخ عبَّاس القُمّيّ: 134.
[9] إعلام الورى بأعلام الهدى: 1/505.
[10] الانوار البهيَّة: 134-135.
[11] ينظر: أعيان الشِّيعة، السَّيِّد مُحسن الأمين: 1/99.
[12] ينظر: المصدر نفسه: 1/99.
[13] ينظر: مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: 3/329.
[14] معارج الوصول إلى معرفة آل الرَّسُول (صلَّى الله عليه وآله): 122.
[15] ينظر: الأنوار البهيَّة: 145.
[16] ينظر: الأنوار البهيَّة: 145.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0879 Seconds