في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)

فضائل الإمام علي عليه السلام

في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)

في رحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)

 

الباحث: الشّيخ سجاد عبد الحليم الرّبيعي

 

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصَّلَاة والتَّسليم على طبيب نفوسنا وحبيب قلوبنا مُحَمّد (صلَّى الله عليه وآله) وعلى أهل بيته وصحبه المنتجبين.

 

يعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (ت: 40 هـ) من أبرز أعلام التاريخ الإسلامي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولد في أشرف بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا.

 

وقد تلقى في أولويات حياته المباركة العناية الخاصة من النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد أشار ( عليه السلام ) في بعض خطبه إلى جزء من ذلك بقوله: (وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه ( صلى الله عليه وآله )، بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه...) [1].

 

وفي معنى ما نحن فيه، ما رواه الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسين، قال: (سمعت زيداً يقول: كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يمضغ اللحمة والتمرة حتّى تلين ويجعلها في فم عليّ ( عليه السلام ) وهو صغير في حجره)[2].

 

وقد تمثل الإمام عليه السلام الرسالة الإسلامية من منابعها وعليه قام تبليغها إذ امتزجت أدوار النبي والوصي في التأسيس، ثم استمر الوصي بعد النبي بالعناية والتطبيق، ففاضت منه (عليه السلام) فضائل وخصائص انفرد بها عن جميع من عاصره الى قيام يوم الدين، منها.

 

إيمانه الحقيقي بالله سبحانه وتعالى، وتوحيده، وعبادته من أهم المحاور التي دارت حولها شخصيته (عليه السلام) إذ سخَّر كل طاقاته البدنية والنفسية لإجلها وبلورتها في واقع الإنسانية، كما شهد لذلك القريب والبعيد فيها، حتى أننا نكاد نلمحها في كل نص من نصوصه، فمن النادر جدا، أن نجد نصا تخلو مقدمته من تمجيد الله، والحض على شكره ببيان نعمه وأفضاله، إلا أن هناك نصوصا قائمة بذاتها قد اختصت بمعالجة قضية الإيمان، أودعها (عليه السلام) الكثير من طاقاته الفكرية التي يرمي من ورائها إلى إبقاء جذوة الإيمان متقدة، بعد أن كادت أن تخمد في نفوس الآخرين، جراء أنشغالهم بالدنيا والركون إليها والابتعاد عن تعاليم السماء، وعن روح النص القرآني، بمحاولة البحث في ذات الله بالجدل، إلى غير ذلك من عوامل استحدثتها ظروف النقلة المفاجئة، وأدت بإيمان الفرد إلى التقهقر.

 

فأنبثق لدى أمير المؤمنين (عليه السلام) معالجة القضية من جذورها بشتى وسائل الإقناع الفكري عبر طرح المسائل العلمية والحديث المباشر عن الخالق، ونفي الصفات عنه، وخلق الملائكة والكون، وأهمية بعث الرسل.

 

وهذه من الأمور الواضحة التي سجلها التاريخ الإسلامي في إيمانه (عليه السلام) والتي رجحت على غيره، كما نقرأه جليا في حديث النبي (صلى الله عليه وآله): ( لو أن السماوات والأرض وضعتا في كفة ميزان ووضع إيمان علي في كفة أخرى لرجح إيمان علي)[3].

 

إذا تميزت شخصيته عليه السلام بوضوح على الرغم من أساليب الاقصاء التي جابهته، وبروز أنسجة الأساليب العدائية له ، فهو شخصية تتفق كافة الفرق الإسلامية على عظمته، وسماته، وشأنه، ومنزلته السامية في الإسلام، تلك المنزلة الرفيعة والمميزة التي نقرأها في كتب الفريقين .

 

ولأهمية دوره(عليه السلام) ورواسب إيمانه يمثل مظهرا للوحدة الإسلامية ومصدر إشعاع لها ، ويجب أن نسير بسيرته ؛ لأنَّه يمثل قمة الهرم في تربية النفس وصناعة الإنسان وتجذيره من عوالق الدنيا ، وعدم مصانعة الظالم ، والتعاطف مع المظلوم، والمساعدة لأخذ حق المظلوم من الظالم، وهذه ممكن ملاحظتها عن طريق  حياته (عليه السلام) وكلماته الشريفة والثرية في النهج وهو يتبرأ من الظالم:(واللَّه لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً ، أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفَّداً ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّه ورَسُولَه يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً ، لِبَعْضِ الْعِبَادِ ، وغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ)[4]. والمعنى إن حلفه (عليه السّلام) على كون المبيت على الحسك والجرّ في الأغلال أحبّ إليه من لقاء اللَّه ورسوله متّصفا بالظلم والغصب ممّا لا غبار عليه ، وعلَّة أحبيّتها إليه عليه السّلام أنّهما وإن كان فيهما ألم شديد إلَّا أنّ ذلك الألم بالنسبة إلى ما يترتّب على الظلم من العذاب الشّديد الأخروي أسهل وأهون، وهذا في حقّ عموم العقلاء الملاحظين لعاقبة الأمور، وأمّا في حقّه عليه السّلام وحقّ سائر أولياء اللَّه المقرّبين فلو لم يترتّب على الظلم من العقوبات الاخرويّة سوى سوء لقاء اللَّه ورسوله والاستحياء منهما والحجب عن مقام الزّلفى فقط لكفى ذلك في ترجيح المبيت على الأشواك والجرّ في الأغلال عليه[5] .

 

 

[1] نهج البلاغة، خطب الإمام علي ( ع )(ت: 40 هـ)، تحقيق: شرح: الشيخ محمد عبده، ط1، 1412 - 1370 ش، مط  النهضة – قم، دار الذخائر - قم - ايران: 2 /157.

[2] شرح أصول الكافي، مولي محمد صالح المازندراني (ت: 1081 هـ)، تحقيق: مع تعليقات: الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور، ط1،1421 - 2000 م، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان:2 / 298.

[3] شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي (ت: 363 هـ)، تحقيق: السيد محمد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة:2 / 322.

[4] نهج البلاغة، خطب الإمام علي ( ع ): 2 /217 .

[5] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي(ت: 1324 هـ)، تحقيق : سيد إبراهيم الميانجي، ط4 ،مط  الاسلامية بطهران:14 / 291 .

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0845 Seconds