لقد فقهكم عَليُّ بن أبي طَالب

فضائل الإمام علي عليه السلام

لقد فقهكم عَليُّ بن أبي طَالب

عمَّار حسن الخزاعي:
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
(لقد فقهكم عَليُّ بن أبي طَالب) عبارةٌ يصرخُ بها معاوية عندما يُلاقي ظفرًا لعليِّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، يولول بها صارخًا من ألم سياط الحجَّة والبرهان، يقولها والحسرةُ تأكلُ قلبه، إذ لم تُكتب له السَّعادة في ملكه الأفن، كان يُحاولُ دائمًا أن يستشعر لذة النصر ولو بجزيء من برهةٍ زمنية؛ ولكن سرعان ما يُبدِّد ذلك مشاهد مرعبة من سيوفٍ مشرعة بيد أبطالٍ علويين كالجبال، يهجمون على شعوره فتتحول كلُّ عواطفه إلى خوفٍ رهيب حتَّى ليكاد أن يهرب من خياله وأفكاره، وعندما استشهد زعيمُ تلك الأبطال مرعب معاوية عليُّ بن أبي طالب، تنفَّس معاوية الصعداء، وظنَّ أنَّه سينال شيئًا من توازن النفس، وسيلقى تلك الروح المهزومة في داخله؛ بل وصل به الطموح إلى أنَّه من الممكن أن يُحقِّق ذاته بنصرٍ زائفٍ خطفه بالحيلة والمكر والخديعة والخيانة، فصار يستحضر من كان يُقاتلهم من العلويين في مجلسه ليُريهم سلطانه الزائف، من أجل أن يحظى بزهو نصره المزعوم، ولكن انقلب السحر على الساحر، فكلُّ من يحضر في مجلسه يوجعه بلسانٍ أشدّ من حدِّ السيف، ليوقظه من غفلته التي أوهمته بالنصر على مولى الموحدين (عليه السلام)، وما يلبثُ حتَّى يصرخ: (لقد فقهكم عَليُّ بن أبي طَالب، مَا تركْتُم حجَّة فَلَنْ تطاقوا)، وهكذا يخسأ معاوية فينقلب مذمومًا مدحورًا، قد استحوذت عليه الهزيمة من كلِّ جانب، فلا هو قادر على مواجهة سيوف أظفار عليٍّ (عليه السلام)، ولا به استطاعة على مجاراة ألسنتهم فكان خائبًا منهزمًا على كلا مستويي المعركة .
ومن المعارك اللسانية التي جرت بين معاوية وأنصار عليٍّ (عليه السلام) ما حدث بينه وبين صعصعة بن صوحان الْعَبْدي، وذلك عندما دخل عليه في مجلسه في الشام، ولمَّا دخل صعصعة (رضوان الله عليه): ((وَرَأى الرِّجَال عَلَيْهِم السِّلَاح، قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، سُبْحَانَ الله، وَالله اكبر، فَالْتَفت مُعَاوِيَة يَمِينًا وَشمَالًا فَلم يرَ مَا يُكرههُ، فَقَالَ: يَا بن صوحان مَا أظنُّك تعرف الله تَعَالَى، قَالَ بلَى؛ إنَّه رَبِّي وَرب آبَائِي الْأَوَّلين يحيي وَيُمِيت، وَهُوَ بالمرصاد كَبِير متعال، وَمن وَرَاء الْعباد، فَقَالَ مُعَاوِيَة: كنت أحب أن لا أراك فِي هَذَا الْمقَام حَتَّى يصيبك ظفر من أظفاري، أهدي بِهِ نَفسِي مِمَّا تَجدهُ مِنْك وَمن مرارات أدخلتها بكلامك، وَصدق قتالك يَوْم صفّين على قلبِي، وَلَقَد كنت أتوقع عذرك يصلني مَعَ الترغيبات الَّتِي رغبتك، علَّني أُقاسمك شطر قلبِي، فَمَا فعلت؟ فَقَالَ لَهُ صعصعة: وَكَذَلِكَ كنت أَنا أَقُول: أن لَا تقعد هَذِه الْقعدَة، وَلَا وَلَا تستعير هَذِه الْعَارِية، وَلَقَد فرحت لَك؛ لِأَنَّهُ مقَام يورثك النَّار فِي لظى الخلود السرمد، وَقد كنت أحبُّ أن لَا أُحييك بِهَذِهِ التَّحِيَّة حَتَّى تفي مقادير الله تَعَالَى فِيك، وَأمَّا قَوْلك لَو عذرت لقاسمتك شطر دولتك، فَإِنَّ رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ [وآله] وَسلم) لوفائي لَهُ وحفظي وَصيته وتلزمي بسنته فَيكون أَمْرِي فِي دولته ومملكته كأمره، وَمَا عِنْد الله خير وأبقى للأبرار . فَالْتَفت مُعَاوِيَة إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وَقَالَ لَهُ: أوسع لخالك حَتَّى يجلس إِلَى جَنْبك، فَقَالَ عَمْرو: لَا أوسع لَهُ إنَّه ترابي، فَقَالَ صعصعة: أجل وَالله من التُّرَاب خلقت وَإِلَيْهِ أَعُود وَمِنْه أبْعث، وأنَّك يَا بن الْعَاصِ نَارِي من النَّار خلقت وإليها تعود، فَضَحِك مُعَاوِيَة حَتَّى اسْتلْقى على صفحته، ثمَّ عَاد فَقعدَ وَقَالَ يَا بن صوحان إنَّما أنت تهزل بلسانك وتفرح سلطانك، وَمَا تنظر فِي الْأُمُور وَالْأَيَّام ونوادر الْكَلَام، وَالله لقد هَمَمْت أن أحملك خطب الْعرَاق، فَقَالَ: وَالله لَو رمت ذَلِك لغزوتك فِي مائَة أَمْرَد، على مائَة ألف أجرد، فَامْتَلَأَ مُعَاوِيَة غيظًا واطرق طَويلًا وَرفع رَأسه وَقَالَ: لقد أكرم الله قُريْشًا إذ يَقُول لنَبيه مُحَمَّد (صلى الله عَلَيْهِ [وآله] وَسلم) ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44]، فَقَالَ لَهُ صعصعة: وَمَا قَالَ الله ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: 66]، أمَّا القَوْل الأول فلرسول الله ولقومه من قرَابَته وَذريته، وَأمَّا القَوْل الثَّانِي فلك ولقومك وَمن شاكلهم، فَقَالَ مُعَاوِيَة: قَاتلك الله لقد غلبتني، اسكت لَا أم لَك، فَمَا أعجل جوابك واصعب خطابك! مَا أظنُّك منتهيًا حَتَّى أُفرق بَين روحك وجسدك، قَالَ لَهُ صعصعة: لَيْسَ ذَلِك إليك إنَّما ذَلِك بيد من لَا يُؤَخر نفسًا إِذا جَاءَ أجلهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لقد فقهكم عَليّ بن أبي طَالب (عَلَيْهِ السَّلَام) مَا تركْتُم حجَّة فَلَنْ تطاقوا، وَلَوْلَا أنني لم أُجرع بجرعةٍ أفضل من جرعة غيظ لم أمكنك من الْحَيَاة))([1])، فمعاوية يُقرُّ بأنَّه صار مدمنًا على تجرُّع الغيظ من أصحاب عليٍّ (عليه السلام)، إذ لم يُعد بإمكانه أن يعيش بدونه، وقد أثبتت كلمات معاوية ما أسلفناه في أوَّل الحديث من أنَّه كان يئنُّ من ضرب سيوف أصحاب عليٍّ (عليه السلام) وسياط ألسنتهم حيث قال لصعصعة (رضوان الله عليه) : ((كنت أحب أن لا أراك فِي هَذَا الْمقَام حَتَّى يصيبك ظفر من أظفاري، أهدي بِهِ نَفسِي مِمَّا تَجدهُ مِنْك وَمن مرارات أدخلتها بكلامك، وَصدق قتالك يَوْم صفّين على قلبِي)) .
ولم تنتهِ سياط ألسن أصحاب عليٍّ (عليه السلام) إذ ما زال يئنُّ منها معاوية وأنصاره إلى اليوم ولن تتوقف إلى قيام الساعة.
الهوامش:
([1]أخبار الوافدين من الرجال من أهل البصرة والكوفة على معاوية بن أبي سفيان، العباس بن بكار (أو ابن الوليد بن بكار) الضبي (ت: 222هـ)، تحقيق: سكينة الشهابي، مؤسسة الرسالة - بيروت – لبنان، ط1، 1403هـ - 1983م: 29 – 31 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0818 Seconds