من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: 1- قوله (عليه السلام): ((حَمِدْتُ)) و((حَمدْتُهُ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: 1- قوله (عليه السلام): ((حَمِدْتُ)) و((حَمدْتُهُ))

341 مشاهدة

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
1-  قوله عليه السلام (حمدت)، (حمدتهُ حمد مقر بربويته)
الْحَمْدُ: خلاف الذَّمِّ، تقول: حمدْتُ الرَّجل أَحْمَدُه حَمْداً إِذا رَأَيْت مِنْهُ فعلا مَحْمُوداً، واصطنع إِلَيْك يدًا تحمدهُ عَلَيْهَا [1]. وقال ابن فارس: «الحاء والميم والدَّال كلمةٌ واحدة، وأَصلٌ واحد، يدلُّ على خلاف الذمِّ. يقال حَمِدْتُ فلاناً أَحْمَدُه...»[2]. والحمدُ «الشُّكْرُ، والرِّضى، والجَزاءُ، وقَضاءُ الحَقِّ، حَمِدَهُ، كسَمِعَهُ، حَمْداً ومَحْمِداً ومَحْمَداً ومَحْمِدَةً ومَحْمَدَةً، فهو حَمُودٌ وحَميدٌ» [3].

ورد الفعل «حَمِدَ» في الخطبة مرَّتين مطابقاً دلالته اللُّغوية، صدَّر في المرَّة الأُولى أَميرُ المؤمنين (عليه السلام) خطبته بهذا الفعل، فقال (عليه السلام): «حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ»، و«حمدتُ» فعل ماضٍ مبنيٌّ على السُّكون؛ لاتِّصاله بضمير رفع متحرِّك، وهو التَّاء العائدة إلى أَمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فهو يحمد الله ــ تبارك وتعالى ــ لعظيم منَّته عليه، وإحسانه لديه [4]، والله ــ عَزَّ وَجَلَّ ـ يقول: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)[5].
واستعمل أَمير المؤمنين (عليه السلام) صيغة (حَمِدَ) الفعل الماضي؛ لما في فعل المضيِّ من دلالة النَّفاذ في الأَمر، والفراغ منه [6]، فكأَنَّ (حَمْدَ) أَمير المؤمنين (عليه السلام) لله ــ تبارك وتعالى ــ أَمرٌ نافذٌ، مفروغٌ منه، قديم؛ لعظيم منَّته ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ ونفاذ إحسانه لديه، فهو (عليه السلام) يتحدَّث عن حدث، أَو أَمر حاصل قبل زمن التَّكلُّم.
والحمد لله تعالى هو «الثــَّناء عليه بالفضيلة، وهو أَخصُّ من المدح وأَعمُّ من الشُّكر؛ فإنَّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، وممَّا يقال منه وفيه بالتَّسخير، فقد يُمْدَح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمْدَح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثــَّاني دون الأَوَّل، والشُّكر لا يقال إلاَّ في مقابلة نعمة، فكلُّ شكر حمد، وليس كلُّ حمد شكرا، وكلُّ حمد مدح، وليس كلُّ مدح حمداً ...»[7].

وفرَّق أَبو هلال العسكريّ بين (الحمد)، و(المدح) بقوله: «إنَّ الحمد لا يكون إلاَّ على إحسان، والله حامد لنفسه على إحسانه إلى خلقه، فالحمد مضمَّن بالفعل، والمدح يكون بالفعل والصِّفة، وذلك مثل أَنْ يُمْدَح الرَّجل بإحسانه إلى نفسه وإلى غيره، وأَنْ يمدحه بحسن وجهه، وطول قامته، ويمدحه بصفات التَّعظيم من نحو: قادر، وعالم، وحكيم، ولا يجوز أَنْ يحمده على ذلك، وإنَّما يحمده على إحسان يقع منه فقط»[8].
وفرَّق أَبو هلال العسكريّ ــ أَيضاً ــ بين (الحمد)، و(الشكر) بقوله: «إنَّ الشكر هو الاعتراف بالنِّعمة على جهة التَّعظيم للمنعم، والحمد الذِّكر بالجميل على جهة التَّعظيم المذكور به أَيضاً، ويصحُّ على النِّعمة وغير النِّعمة، والشُّكر لا يصحُّ إلاَّ على النِّعمة، ويجوز أَنْ يحمد الإنسان نفسه في أُمور جميلة يأْتيها، ولا يجوز أَنْ يشكرها؛ لأَنَّ الشُّكر يجري مجرى قضاء الدَّيْن، ولا يجوز أَنْ يكون للإنسان على نفسه دَيْن، فالاعتماد في الشُّكر على ما توجبه النِّعمة، وفي الحمد على ما توجبه الحكمة. ونقيض الحمد الذَّمُّ إلاَّ على إساءة، ويقال الحمد لله على الإطلاق، ولا يجوز أَنْ يطلق إلاَّ لله؛ لأَنَّ كلَّ إحسان فهو منه في الفعل أَو التَّسبيب، والشَّاكر هو الذَّاكر بحق المنعم بالنِّعمة على جهة التَّعظيم، ويجوز في صفة الله شاكر مجازاً، والمراد أَنــَّه يجازي على الطَّاعة جزاء الشَّاكرين على النِّعمة، ونظير ذلك قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) [9]، وهذا تلطُّف في الاستدعاء إلى النَّفقة في وجوه البرِّ... والحمد لله شكراً أَبلغ من قولك: الحمد لله حمداً؛ لأَنَّ ذلك للتَّوكيد، والأَوَّل لزيادة معنى، وهو ــ أَيْ: أَحمده ــ في حال إظهار نعمه عليه»[10].

وبابتداء أَمير المؤمنين (عليه السلام) خطبته بالفعل (حمِدَ) يكون قد سنَّ سنَّة حسنة، بالابتداء بالحمد؛ ليقلِّده مَنْ جاء من بعده، حتى أَصبح (الحمد) جزءاً أَصيلاً من الخطبة، فقيل عن الخطبة الَّتي لا تبتدأ بالحمد «البتراء»[11].
أَمَّا المرَّة الثــَّانية الَّتي ورد فيها الفعل (حمِدَ) في الخطبة، فلبيان كيفيَّة هذا الحمد، فقال (عليه السلام): «حمدتُهُ حَمْدَ مُقِرٍّ بـِربُوبيَّتهِ»، فالفعل (حَمِدَ) ماضٍ مبنيٌّ على السكون؛ لاتِّصاله بضمير رفع متحرٍّك (التَّاء)، وهو عائد إلى أَمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ضمير متَّصل مبنيٌّ في محلِّ رفع فاعل، والهاء ضمير متَّصل مبنيٌّ في محلِّ نصب مفعول به، وهو عائد إلى الذَّات المقدَّسة))[12].

الهوامش:
[1]. ينظر: جمهرة اللغة 1/254.
[2]. معجم مقاييس اللغة 2/79.
[3]. القاموس المحيط 1/273.
[4]. ينظر: نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 2/82.
[5]. النحل: 18.
[6]. ينظر: شرح المفصَّل 7/2و4، وشرح شذور الذهب 38 و39، وأبنية الأفعال في دعاء الصباح (دراسة ومعجم): 25 و26.
[7]. مفردات ألفاظ القرآن: 256.
[8]. الفروق اللغوية 37.
[9]. البقرة: 245.
[10]. الفروق اللغوية 35 و36.
[11]. ينظر: المدخل إلى علوم نهج البلاغة 25.
[12]لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 27 –30.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1365 Seconds