من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: ((تَكَرَّمَ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: ((تَكَرَّمَ))

658 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 19-06-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية

من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي: ((تَكَرَّمَ))
الكرم ضدّ اللُّؤم، يُقال: كرُم الرَّجل يكرُم كرماً، فهو كريم([1]).
وقال الأَزهريّ: «الكَرِيمُ: من صفاتِ الله عَزَّ وَجَلَّ وأَسمائه، وَهُوَ الكثيرُ الخيرِ الجوادُ المنعمُ المفضِلُ... قَالَ الْفرَّاء: العرَبُ تَجعل الكَريم تَابعا لكُلِّ شَيْء نَفَتْ عَنهُ فِعْلاً تنْوي بِهِ الذَّمَّ... والكريم: اسمٌ جامعٌ لكُلِّ مَا يُحمدُ، فَالله كريمٌ، حميدُ الفعال...»([2]).
وقال ابن فارس: «الكاف والرَّاء والميم أَصلٌ صحيح له بابان: أَحدهما شَرَفٌ في الشَّيء في نفسِه، أو شرفٌ في خُلُق من الأَخلاق، يقال رجلٌ كريم، وفرسٌ كريم، ونبات كريم. وأَكرَمَ الرَّجلُ، إذا أَتَى بأَولادٍ كِرَام... وكَرُم السَّحابُ: أَتَى بالغَيث، والكَرَم في الخُلْق يقال هو الصَّفح عن ذنبِ المُذنب. والأَصل الآخر الكَرْم، وهي القِلادة...»([3]).

وقال الرَّاغب: «الكَرَمُ إذا وُصِفَ الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: (فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل/ 40]، وإذا وُصِفَ به الإنسان فهو اسم للأَخلاق والأَفعال المحمودة الَّتي تظهر منه، ولا يُقال: هو كريم حتَّى يظهر ذلك منه»([4]).

وجاء في (التَّعريفات): «الكريم: مَنْ يوصل النَّفع بلا عوض، فالكريم هو إفادة ما ينبغي لا لغرض؛ فَمَنْ يهب المال لعوض جلباً للنفع، أَو خلاصاً عن الذَّمِّ، فليس بكريم»([5]).
والكريم من صفات الله ــ تعالى ــ وأَسمائه؛ فهو الَّذي لا ينفد عطاؤه وإحسانه، والكريم: الصَّفوح، والله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ هو الكريم الصَّفوح عن ذنوب عباده المؤمنين([6]).
وجاء هذا الفعل «تكرَّم» مرَّةً واحدةً في الخطبة، أَورده أَمير المؤمنين عليه السلام لتمجيد الله -تبارك وتعالى- وتعظيمه، ببيان صفاته، إذ قال عليه السلام: «وتكرَّم وتفضَّل». وممَّا تجدر الإشارة إليه -هنا- أَمران، أَحدهما: أَنَّ الفعل ورد على زنة «فَعَّلَ»، وقد تقدَّم أَنَّ زنة «فَعَّلَ» لها معانٍ متعدِّدة ذكرها العلماء، وأَشهرها المبالغة والتَّكثير([7])، والآخر: أَنَّ الفعل «تكرَّم» ورد بلفظ الماضي، وتقدَّم الكلام على ما في فعل الماضي من دلالة النَّفاذ في الأَمر، والفراغ منه. فمراد أَمير المؤمنين عليه السلام: أَنَّ كَرَمَ الله -عَزَّ وَجَلَّ- كثير، لا انقطاع له؛ فهو الَّذي لا ينفد عطاؤه وإحسانه، وكرمه -تبارك وتعالى- أَمر نافذٌ، قديم، فهو عليه السلام يتحدَّث عن أَمر حاصل نافذ قبل زمن التَّكلُّم([8]).
«وتكرَّم» فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والفاعل ضمير مستتر، تقديره (هو) عائد إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وجملة (وتكرَّم) معطوفة على جملة (فعدل)[9].

الهوامش:
([1] ينظر: العين: 1/443. وينظر: جمهرة اللغة: 1/443، والصحاح في اللغة: 2/83، والمحكم والمحيط الأعظم: 3/177، ولسان العرب: 12/510، والمصباح المنير: 8/81، والقاموس المحيط: 1/1489، وتاج العروس: 1/7874.
([2] تهذيب اللغة 3/ 374.
([3] معجم مقاييس اللغة 5/ 171 و172.
([4] مفردات ألفاظ القرآن: 707.
([5] التعريفات: 150 و151.
([6] ينظر: تأويل مشكل القرآن: 377، ومعجم مقاييس اللغة: 5/172.
([7] ينظر: الفعل (بلّغ) من الكتاب.
([8] ينظر: مصباح المتهجَّدين: 34، ومنهاج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 2/84.
[9] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 89-91.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2036 Seconds