من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة قال عليه السلام: ((إِلَيْكَ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ أنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة قال عليه السلام: ((إِلَيْكَ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ أنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ))

423 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 16-01-2024

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
الغَارِب هو أعلى الموج وأعلى الظهر([1]). والغَارِب الكاهل من الخفّ، وهو ما بين السنام والعنق من البعير([2]). وقيل: بل هو أعلى مقدم السنام([3]). واستعملت لفظة (غَارِب) ثلاث مرات في نهج البلاغة([4])، للدلالة على ما يأتي:

أولاً: الدلالة على مقدم عنق البَعِير.
وهو أعلى مقدم سنامه، بين السنام والعنق، وقد جاءت هذه الدلالة في قوله (عليه السلام) متحدثاً عن (البَلاَء): ((... ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلاَءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعيرِ...))([5]). والغارب كاهل البعير وأعلى مقدم سنامه من الكتف، وكثيراً ما تتآكل هذهِ المنطقة من البعير، وتتقرح بسبب من وضع الرحل عليها وربطه بغارب البعير، ولهذا شبه الإمام به (عَضَّ البَلاَء) الذي يقرح الإنسان ويأكل عزمه وكبرياءه في إشارة إلى انغماره في المعاصي والعثار والفسوق([6]).

 ثانياً: الدلالة على إطلاق الأَمر وتركه على حاله.
وقد أورد الإمام (عليه السلام) هذا المعنى مرتين في كلامه الوارد في نهج البلاغة، الأول يشير به إلى الدنيا، مشبها إياها بالبعير المطلق المتروك. يقول (عليه السلام) في ذم الدنيا وعدم اغتراره بها: ((إِلَيْكَ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ أنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ([7])، وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ([8])))([9]). وقد صدّر الإمام (عليه السلام) كلامه هذا باسم الفعل (إلَيْكِ) مؤخراً المنادى - وهي الدنيا - عن الأمر بالابتعاد؛ لغرض لفت النظر وحث السامعين على سلوك النهج الذي سار عليه الإمام (عليه السلام) - كما أحسب. ثم عبر عن نبذ الدنيا، وتركها دون أن يشغل نفسه بها، بقوله (فَحَبْلك على غارِبك)، وهو تعبير مأخوذ من طرح حبل البعير الذي يقاد به على غاربه ومقدّم سنامه، إهمالاً له لتركه يذهب حيث يشاء. وقد أراد (عليه السلام) التنبيه إلى إعراضه عن الدنيا وعدم شغله بها، فجعلها كالناقة المرسلة التي يوضع زمامها على كاهلها رغبة في إهمالها وتجنب العناية بها.

ويومئ التعبير المتقدم بأنَّ الإمام قد سرح الدنيا وتركها، وطلقها مؤبداً ذلك بعدم إمكان الرجوع اليها.  ولهذا كان يخاطبها بأن لا تعرض له أو تقترب منه، وليس العكس، وقد استعمل الإمام عبارة (حَبْلك على غَارِبِكِ) بطريقة المثل، فقد كانت البيئة الاجتماعية العربية في ذلك الوقت تستعمل هذا التعبير في تسريحها للمرأة التي يطلقها زوجها، فضلاً عما يراد تخليته من أيديهم من الأشياء. فيقولون ((حَبْلَكِ على غَارِبِكِ))([10]). كناية عن الطلاق، ومرادهم من ذلك: أن المرأة مسرحة الذهاب حيث شاءت([11]). وقد أخذت العرب ذلك من متعلقات. الناقة ولوازمها، فإنهم إذا أرادوا تركها للرعي، ألقوا خطامها على غاربها إيذاناً لها بأن تهنأ في رعيها؛ لأنها إذا رأت خطامها وقد أشنق لم تهنأ بشيء([12]). وبالعودة إلى قولة الإمام (عليه السلام)، فإن (غارِبَ الدُّنْيَا) في كلامه هو فتنتها وزهوها وما فيها من ملذات، متعلقة بأصلها وكاهلها الذي ترتكز عليه لذاتها. فكأنّ (غارب الدُّنْيَا) قمّة لذّتها. وذلك عندي مأخوذ من أصل دلالة (الغَارِب) في اللغة، وهي أعلى الشيءِ وقمته([13]). أما (حَبْلُ) الدنيا في كلمة الإمام (حَبْلكِ على غَاربِكِ)، فهو إشارة إلى زمامها وقيادها الذي يراد للإمام (عليه السلام) أن يتولاه ويمسكه، لكي يكون منقاداً لها لا قائداً. وهو بهذا يكون بمنزلة خطام البعير الذي يتولاه الراكب، فمرة يشنقه وأخرى يسلسه. ولا سيما إذا كانت الناقة صعبةً عصّية القياد. وهكذا هو حال الدنيا فإنها صعبة الركوب لمن ركبها وتقحمها.
أقول: وكنّى (عليه السلام) عن الخلافة بالناقة، فجعلها مرسلة لا رغبة فيها، مثلما طلق الدنيا وتركها على عاربها. وذلك في (خ/3). )([14]).

الهوامش:
([1]) ينظر: العين (غرب): 4/411.
([2]) ينظر: لسان العرب (غرب): 1/644، وتاج العروس (غرب): 3/479.
([3]) ينظر: تهذيب اللغة (غرب): 8/119.
([4]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 334.
([5]) نهج البلاغة: خ/87: 348.
([6]) ينظر: الديباج الوضي: 4/1920.
([7]) نهج البلاغة: خ/187: 348.
([8]) الدَّحْضُ الزّلق. ينظر: لسان العرب (دحض): 7/148.
([9]) نهج البلاغة: ك/45: 533.
([10]) جمهرة الأمثال: 1/342، ومجمع الأمثال: 1/196، والمستقصى في أمثال العرب: 2/56.
([11]) ينظر: مجمع الأمثال: 1/196.
([12]) ينظر: تهذيب اللغة (غرب): 8/119، ومجمع الأمثال: 1/196، ولسان العرب (غرب):1/644، وتاج العروس(غرب): 3/479.
([13]) ينظر: تاج العروس(غرب): 3/480.
([14]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 58-60.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2869 Seconds