بقلم: د. حسام عدنان الياسري.
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.
وبعد:
الضَّرْع للشاة والناقة ولكل ذات ظلف وخفِّ، وهو مدرُ لبنها([1]). وجعله الخليل مخصوصاً بالشّاء والبقر. وأما الناقة، فَضَرْعها هو الخلف، ولكنه أشار إلى أن من اللغويين من يسميها جميعاً الضَّرع([2]). والأخْلاَف هي حلم الضَّرْع، والضَّرع جماع يضم الأطباء التي هي الأحاليل التي تمثل خروق اللبن، وهي التي تسمى الأَخْلاَف([3]). واستعملت مفردتا (ضَرْع) و (ضَرْعَيْهَا) بصيغة التثنية مرة واحدة لكل منها في نهج البلاغة([4]). وذلك للدلالة على ضَرْع الدواب من ذوات الظلف والخف الذي يكون موضع درِّ اللبن، وهو كالثدي عند المرأة. ومن ذلك قوله (عليه السلام) متحدثاً عن عقد الخلافة من الخليفة (أبي بكر) إلى (عمر بن الخطاب)؛ في سياق تعجبه من هذا الموقف، قائلاً: ((... فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا!...))([5]). يُريد: أنه اقتسم الخلافة بينه وبين الخليفة (عمر بن الخطاب)، كأنها ضَرْع أخذ كل واحد منهما شطراً منه أو جهةً من أَخْلاَفه الأربعة مشبَّهاً - بذلك- الخلافة بالناقة الحلوب التي تدّر لبنا غزيراً على حالبها. مكنياً عنها بلفظ (ضرعيْها)، في اشارة إلى ما يناله هؤلاء من هيبة الحكم وسطوة المنصب. ولهذا استعار أمير المؤمنين لها ضَرع الناقة التي أَضْرَعت قبيل النتاج في استعارة ينتج منها وجه المشاركة في الانتفاع واقتسام الدَّرِّ([6]). ويكون المعنى أنّ الخليفة (أبا بكر)، قد أخَذَ القِسْم من الضَرْعِ واحتلبه، في إشارة إلى أخذ نصيبه في الخلافة، ومن ثَمّ أعطى القسم الآخر من الضرّع بأخلافه الباقية إلى الذي نصبه من بعده، وهو الخليفة عمر بن الخطاب([7]))([8]).
الهوامش:
([1]) ينظر: تهذيب اللغة (ضرع): 1/297، ولسان العرب (ضرع): 8/222.
([2]) ينظر: العين (ضرع): 1/270.
([3]) ينظر: تهذيب اللغة (ضرع): 1/298.
([4]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 267.
([5]) نهج البلاغة: خ/3: 29.
([6]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 1/177.
([7]) ينظر: الديباج الوضي: 1/210.
([8]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 204-206.