الطّمع بين السّلب والإيجاب

سلسلة قصار الحكم

الطّمع بين السّلب والإيجاب

904 مشاهدة

علي جاسم محمد علي
الحمد لله حمدًا كثيرًا لا انقطاع له ولا أمد، وله الشكر دائماً سرمدًا إلى الأبد، والصلاة والسلام على نعيمه علينا ومن أرسلهم رحمة إلينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة دائمة قائمة، وبعد.
كثيرةٌ هي نعم الله تعالى على خلقه، وأجل من أن تحصى، وقد خصّ من بين هؤلاء الخلق جميعاً، أتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمزيد منها رحمةً ورأفةً قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[1] وأبلغ مصداق في امتداد هذه الرحمة الإلهية من هو نفس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) التي خصَّ الله بها شيعته ومواليه، ومن يهتدون بهديه، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[2]، ومن بعده آل البيت الأطهار (عليهم السَّلَام) الذين كلامهم نور، وأمرهم رشد، ووصيتهم التَّقوى[3]، وفيهم صلاحنا في الدّين والدّنيا والآخرة.
لذلك فإن من الحكمة والتعقل الالتزام بقولهم (صلوات الله عليهم) واتباع هديهم، والكلام هنا ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) من قصار حكمه، عن الطمع، ومعناه في اللغة (فِيهِ وَبِه طَمَعا وطماعا وطماعية اشتهاه وَرغب فِيهِ وحرص عَلَيْهِ، طَمَعا وطماعة صَار كثير الطمع)[4]، و(طمِع في مراتب الشرف)[5].
إذن فهو الحرص والرغبة في الحصول على شيء ما من دون التفكير بالطريقة أو الكيفية التي يتم بها هذا الحصول، ومن هنا تكمن خطورته وعواقبه الوخيمة على الإنسان والمجتمع، ولكن مقابل ذلك فإنه من الممكن أن يكون الطمع ممدوحا وحسنا كما تبين معناه في اللغة، ألا وهو الطمع والرغبة لدى الإنسان في الوصول إلى مراتب عالية في الشرف، كأن يكون القرب إلى الله أو يطمع ويجتهد في طلب العلم الذي يكسب الإنسان الشرف العالي وغير ذلك.
لذلك سيتم تناول مفردة الطمع بجانبيها السلبي التي حذرنا منها أمير المؤمنين (عليه السلام) والإيجابي الذي أشارت إليه بعض آيات القرآن الكريم:
الجانب الإيجابي
عندما تَطرقُ مسامع الإنسان كلمة الطمع يتبلور في ذهنه استقباح المفردة، وهذا الشعور يكون صحيحًا لو كان توظيف هذه الكلمة في غير الموارد التي وردت في القرآن الكريم التي سنعرض لها وهي كثيرة منها، قوله تعالى: ﴿... وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[6]، وقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[7]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[8]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾[9]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾[10].
تشير بعض التفاسير القرآنية في الحديث عن هذه الآيات إلى أن الله تبارك وتعالى يحثّ الإنسان إلى مزيد من الأمل والتضرع له تعالى وعدم اليأس من رحمته، وطلب عفوه وغفرانه كما فعل السحرة مع موسى وطمعوا في مغفرة الله تعالى، ولا بد من الجمع بين الخوف من عذاب الله والطمع أي الرجاء في مغفرته وعفوه جل جلاله، و من شروط استجابة الدعاء الخوف والرجاء، وكذلك مشروعية أن يطمع الإنسان من الله سبحانه وتعالى الطمع الدنيوي المادي بما ينزل عليه من بركات السماء وما تفيض عليهم كالبرق، وذهب بعض المفسرين إلى استعمال المجاز إشارة إلى المطر ومع عدم الأخذ بفرضية المجاز فإن الفيوضات الإلهية والبركات التي تستحصل من البرق التي ذكر الله الطمع فيه كثيرة كالسقي والتعقيم والتغذية والتسميد[11].
الجانب السّلبيّ:
في مقابل ذلك فإن للطّمع آفات كثيرة تنعكس على الإنسان بشكل خاص والمجتمع ككل بشكل عام. فقد ورد عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) كثير من الأحاديث التي تنهى وتذم الطّمع والطامعين، لأسباب مختلفة ويشير أيضًا في أحاديث أخرى إلى عواقب غير مرغوبة تنتج عن الطّمع، فمنها: قوله (عليه السَّلَام): (أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ)[12]، في إشارة إلى صراع مستمرّ وتنازع دائم بين النّور والظّلمة، وبين الخير والشرّ وبين العقل والطّمع، فالعقل من عالم النّور، والطّمع من عالم الظلمة، العقل بطل روحاني، والطمع عدوّ ظلمانيّ شيطاني، وعبّر عنه (عليه السَّلَام) بالبرق الساطع، من طغيان الطمع يراه الطَّامع ماء وهو كسراب بقيعة، فتثور القوى الشهويّة في ضوء هذا البرق وتهجم على العقل في حصنه الحصين وتؤسره وتصرعه غالبًا، وتغلب عليه بثورانه وهيجانه، فتستعبده وتسترقّه فيصير ذليلا خاضعا، وهذا من أبلغ التعبير في الحذر من الانقياد للمطامع مهما كانت برّاقة شوّاقة وعبارة (تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ) سرّ لطيف، لأنّ البرق نور لا يقتبس منه.
وإن من شأن العقل أن يقاوم النفس الأمّارة ويجمح فورانها ويصرفها إلى الصلاح، ومقابل ذلك تطمع النفس بزينة الدنيا وزبرجها مخادعة العقل وغروره، وبهذا يستمر الصراع بين النور (العقل) والظلمة (الطمع) فالعقول الضعيفة غير المؤيّدة من الله أكثر ما تنخدع وتنصرع في حربها للنفوس الأمّارة لما فيها من تعلق بالدنيا والعياذ بالله. وكم من طامع خالف قضايا عقله، حتّى طمع، هذا في العقلاء. وامّا في غير العقلاء، فلو لم يطمع العصفور في الحبّة، لما وقع في الفخّ[13].
ومن آفات الطمع زوال الإيمان عن الإنسان، فقد ورد عن الإمام الصَّادِق عن آبائه (عليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) قال: (سُئل أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) ما ثبات الإيمان؟ قال: الوَرَعُ، فقيل: ما زواله؟ قال: الطَّمَعُ)[14]، ومن آفاته أيضًا أنَّه: أحد الذَّلين وقد يؤدّي بصاحبه إلى المذلة والهوان، روي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (((الطَّمَعُ أحَدُ الذُّلَّيْنِ)[15]، وقال (عليه السَّلَام): (الطَّمَعُ مَذَلَّةٌ حَاضِرَةٌ)[16]، وكذلك يقلل من شأن الإنسان مهما كان علو مقامه ورفعة درجته بين أفراد المجتمع الذي يعيش فيه، إذ روي عن أمير المؤمنين (صلوات الله تعالى وسلامه عليه) أنَّه قال: (الطَّمَعُ يُذِلُّ الأَميرَ)[17].
معالجة الطمع السّلبيّ
لا بد للإنسان أن يجهد نفسه في التخلص والمعالجة من الآفات التي تعصف بأخلاق وفطرة الله التي فطر الناس عليها، ومن هذه الآفات الطمع وقد ورد كثير من المعالجات والنقاط في ذلك نختصر هنا نقطتين وردت عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام):
1 العلم: قول أمير المؤمنين (العلم حجاب من الآفات)[18]، إذ يكون العلم حجابا للإنسان من كل الآفات ومنها الطمع وذلك من خلال علمه بعواقبه السيئة وإدراكه لذلك.
2 القناعة: يستطيع الإنسان أن يكبح جماح مطامعه بواسطة التحلي بالقناعة والرّضا وبذلك يسلم من الوقوع في ذل المطامع، فعن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام): (القَنَاعَةُ أَبْقَى عِزٍّ)[19] وأيضًا (القُنُوعُ عُنْوانُ الرِّضا)[20].
والحمد لله رب العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على مُحَمَّد وآله الطَّاهرين...
الهوامش:
[1] سورة التوبة: 129.
[2] سورة الرعد: 7.
[3] ينظر: عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق (ت: 381هـ): 2/309، مؤسسة الأعلمي، 1404هـ – 1984م.
[4] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة: 2/ 566، دار الدعوة.
[5] معجم اللغة العربية المعاصرة، د أحمد مختار عبد الحميد عمر (ت: 1424هـ): 2/ 1415، عالم الكتب، ط1، 1429هـ - 2008م.
[6] سورة الأعراف: 56.
[7] سورة السجدة: 16.
[8] سورة الشعراء: 51.
[9] سورة الشعراء: 82.
[10] سورة الرعد: 12.
[11] ينظر: التفسير البسيط للواحدي (ت: 468هـ) 9/179، البرهان للزركشي (ت: 794هـ) 2/ 187، روح المعاني للآلوسي (ت: 1270هـ) 8/528، 13/146-147، الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي (ت: 1402هـ) 8/ 160، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، للشيرازي،4/ 399، 6/410، 9/ 316، تفسير النور لقرائتي: 3/73.
[12] نهج البلاغة: تحقيق صبحي الصالح (ت: 1407هـ): 507.
[13] ينظر: معارج نهج البلاغة للبيهقي (ت: 565هـ): 438، بهمن، قم المقدسة، ط1، 1409هـ، شرح نهج البلاغة للبحراني (ت: 679هـ): 5/ 353، ط1، مركز النشر الإسلامي، قم، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للخوئي (ت: 1224هـ): 21/ 289، ط4، المطبعة الإسلامية في طهران.
[14] وسائل الشيعة للحر العاملي (ت: 1104هـ): 16/ 25، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، ط2، 1414هـ.
[15] ميزان الحكمة، محمد الريشهري: 2/983.
[16] عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي: 19.
[17] عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي: 44.
[18] ميزان الحكمة: محمد الريشهري:3/ 2062.
[19] غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدي التميمي (ت: القرن5)، 224: مؤسسة الأعلمي، 2002م.
[20] المصدر نفسه.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1219 Seconds