العداوة وأثرها في القلب

سلسلة قصار الحكم

العداوة وأثرها في القلب

242 مشاهدة

البَاحث: سَلَام مَكّيّ خضيّر الطَّائِيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمرسلين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله المنتجبين، واللَّعن الدَّائِم على أعدائِهم ومبغضيهم وناكري حقّهم إلى قيام يوم الدِّين...
أَمَّا بعد...
فإنَّ العداوة من الصّفات السَّيئة والدَّنيئة، وإن رافقت الفرد أصبح غير مرغوبٍ فيه وفي مصاحبته، فهي من الموبقات التي تهتك بناء المجتمع وتفكّكه وتهدّم أركانه، فقد تكون ناتجة بسبب جهل الفرد بحدود الله (عزَّ وجلّ) وقوانينه التي وضعها لعباده، وضعف إيمانه به سبحانه واتباعه للشّيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾[1].
 آثار العداوة في القلب البشري:
للعداوة آثار سلبيّة على القلب، فيلاحظ على من يحمل هذه الصّفة الدَّنيئة، لا يريد إلَّا النَّيل من أقرانه الآخرين بشتَّى الوسائل، ويكون قلبه مشغولًا بالعداوة ومليئًا بالحقد والبغضاء، فروي عن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام): (العداوة شغل القلب)[2].
وإنّه قد يتولَّد وينتج عن العداوة والغضب على شخصٍ ما، حركة للنفس فيحدث من هذه الحركة حرارة دم القلب وغليانه شهوة للانتقام بسبب العداوة، فإذا كان الغضب النَّاتج ثابتًا دائمًا كان ذلك الغليان متجددًا باستمرار في كل وقت على الشخص المقابل، وذلك شغل عظيم للقلب كما مرَّ الحديث عنه سابقًا، وملهيه عن سائر أشغاله الواجبة على صاحبه؛ كأداء الواجبات الشّرعية والأشياء المستحبّة الموجبة لنزول رحمة الخالق سبحانه على عبده؛ مثل: الصَّلَاة والصِّيام، ومواصلة الأقارب وزيارة المريض ومساعدة المحتاجين وغيرها.
فآثار العداوة بعد سيطرتها على القلب تتسع حتى يشمل ضررها المجتمع بصورة عامة، وذلك لأنَّ القلب مصدر العواطف الإنسانيَّة، وإذا الفرد طاوع واتَّبع قلبه من دون تحكيم الأمور بالرّجوع إلى العقل، فيصبح القلب شبيه بالشخص الأعمى الذي لا يميّز بين النُّور والظَّلام، فالقلب لا يميّز كذلك بين الحق والباطل وبين الصَّالح والطَّالح، بسبب غلبة العداوة والكره والبغض والحقد على القلب وكلّ ما يسوء الآخرين، فعبّر عنه أمير المؤمنين (عليه السَّلَام): (القلب إذا كره عمى)[3]، ثم قد علمت أن العداوة والبغض يؤدي بالشخص إلى أن يهتم بجمع الأسباب المؤذية للشخص المبغوض الذي يراد إيذاءه، وإذا كان كذلك فالعداوة شغل للقلب ظاهرًا، لأن اهتمام النّفس بجمع أسباب الأذى للمبغوض وتحصيلها من أجل النيل من هذا الشخص.
تجعل العداوة قلب الفرد وفكره مشغولا في كيفية صنع الأسباب من أجل إيذاء النَّاس الأبرياء فتشغله عن ذكر الله تعالى وتبعده عن توجهه إلى المقاصد الحقّة التي يجب على صاحبها السّعيّ والوصول إليها؛ لينال بها رضا الله تعالى، ثمّ رضا رسوله (صلَّى الله عليه وآله) ورضا آل بيته الأطهار (عليهم السَّلَام) كالالتزامات الشرعية وغيرها[4]، بالإضافة أنَّ من يحمل هذه الصّفة يكون عالة على المجتمع الإسلامي وبسببها يبث الرّعب والخوف بين النَّاس من تفرقة وتشتت شملهم.
التَّخلّص من العداوة:
ومن أراد أن يسود الحبّ والوئام في المجتمع الإسلامي ويحفظ كيانه، عليه أن يبتعد عن ما يُثير العداوة والأحقاد في قلوب الآخرين، ويتخلَّص منها، ومن كلّ ما يُسبّب الكره بين أفراد المجتمع الواحد، ويقوي قلبه بالإيمان بالله تعالى وما أتى به القرآن والدّعوة الإسلامية، وهو التَّعاون على الإصلاح في المجتمع وما نهى عنه من العداوة والتّفرقة والبغض والحقد، وأن يُشغَل القلب بذكر الله تعالى، وأن يغضّ النَّظر عن بعض الأشياء ولا يحاول إثارتها إلَّا في وقتها المناسب، إذا كانت هذه الأشياء تولّد مشاحنات من الحقد والكره والعداوة، حتَّى وإن كانت هذه لها فائدة للفرد نفسه، وأن يزرع بذرة الخير، والتَّعاون على كلّ ما يُثير المحبَّة والصَّداقة بين النَّاس؛ كالكلام الطَّيّب والأسلوب الحَسِن في المعاملة، وعدم الاقتراب من كلّ ما يُثير غضب الله تعالى على الفرد، فهذا ممَّا يؤدّي إلى القضاء على بذرة العداوة والشَّرّ بين الآخرين، فقال سبحانه في محكم كتابه العزيز: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[5]، ويراقب الله تعالى ويتّقيه في كلّ مجالات حياته ويتذكّر عذابه يوم الورود، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[6]، فهذا تحذير وتنبيه من الاقتراب من هذه الصّفة الدَّنيئة الموجبة للهوان ولعذاب الله تعالى يوم الحساب.
فأعاذنا الله تعالى نحنُ وإيَّاكم من هذه الرّذيلة وبعث بيننا المحبّة والألفة والصَّداقة الحقيقيّة، وصلَّى الله على سيّدنا مُحَمَّد وآله الأطهار...
الهوامش:
[1] سورة المائدة: 91.
[2] المناقب، الموفق الخوارزمي: 376.
[3] الأنوار العلويَّة، الشَّيخ جعفر النَّقديّ: 490.
[4] ينظر: شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام)، ابن ميثم البحراني: 122-123.
[5] سورة المائدة: 2.
[6] سورة المائدة: 2.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0798 Seconds