أكرم النَّسب في فكر الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)

سلسلة قصار الحكم

أكرم النَّسب في فكر الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)

232 مشاهدة

البَاحِث: سَلَام مَكيّ خضيّر الطَّائِي.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللّعن الدَّائم على أعدائِهم من الأوَّلين والآخرين، ما بقيت وبقي اللَّيل والنَّهار، إلى قيام يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فإنَّ أحدنا يرى بعضًا من الناس يتفاخر بنسبه وفضله في الأمور الدّنيوية الفانية، الآلية إلى الزَّوال، ولا يبقى للإنسان إلَّا ما زرعه في حياته من خير أو شر، ويتناسى أنَّ هناك دينًا أتى بمكارم الأخلاق وأوصى بها وأكَّد عليها، فقال الله تعالى في محكم كتابه العزيز، مُخاطبًا حامل رسالة الإسلام نبيّه مُحَمَّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[1].

 فالإنسان لا يقاس بنسبه وفضله فقط، بل بإيمانه وحسن أدبه وأخلاقه وجمال صفاته وفي كيفية التّعامل مع أقرانه، مقتديا برسول الله تعالى (صلَّى الله عليه وآله)، نعم إنَّ نسب الإنسان هو ما ينسب إليه الإنسان من آبائه أو فرع لآبائه وكرامة النَّسب والتَّفاخر به هذا شيء من حقّ كلّ فرد أن يمتدح نسبه وأصله ويتفاخر به بين النَّاس وهذا أمر طبيعي في المجتمعات العربيَّة على وجه الخصوص فللأجداد العديد من السّوابق الأخلاقيَّة؛ كمواقف الكرم والشَّجاعة والمواقف البطولية وغيرها، ولكن من اقتدى بالرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وبآل بيته الأطهار الغرّ الميامين (عليهم الصَّلَاة والسَّلَام)، وتأدَّب بآدابهم وسار على نهجهم، وجد نفسه يسلك خير طريق ، وأكرم شيء يتفاخر به الإنسان بين الآخرين هو (حسن الأدب)، وإنَّ أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) بيَّن لنا ذلك في قوله: (أكرم النّسب حُسن الأدب)[2].

فنعلم ممَّا تقدَّم: أنّ الآباء وكرامة الأصل والنَّسب وإن كان الانسان يفتخر بالانتساب إليها، ولكن قد عرفت أنَّ ذلك الافتخار ما هو إلَّا شيء وهمي دال على محبّة الدَّار الفانية الزَّائلة، مستلزم للشرف بفضيلة أو فضائل غير حاصلة لمن يتشرف بها فيمن سلف ممن ينتسب إليه لا يتعداه، بل نفهم من كلام الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) المذكور آنفًا: إنَّ أكرم أصل ينتسب إليه بني آدم هو حسن الأدب، إذا كان سبب الخير الدَّائم والموصل إلى نيل السَّعادات الباقية، وبه يكون الرّفعة والتّعظيم الحقيقي للإنسان لا بغيره، وإنَّما خصَّ الكلمة بلفظ الكرم من دون شيء آخر، لأنَّه ههنا في معرض بيان النّسب والأصل، والعرب تخص الأصول والآباء المنجبة بالكرم، فتقول فيمن صدرت عنه أفعال خيرية؛ كإكرام الضَّيف والشَّجاعة والدّفاع عن المظلوم وغيرها من أخلاقيات الإسلام، وكان لهذا الشَّخص سابقة أصل في فعل الخير: إنّه ذو أصل كريم، وهذا فعل آبائه وأجداده الكرام، فلأجل ذلك خصّه الإمام (عليه السَّلَام) ههنا بلفظ: (الكرم) من دون لفظ الشَّرف والعزّ وغير ذلك من الألفاظ، وإنّه (عليه السَّلَام) خصَّ الأدب من دون غيره من الفضائل الأخرى؛ كفضيلة العلم أو غيرها من الفضائل الجليلة الأخرى؛ لكونه إذا وقع كما ينبغي مستلزمًا لحصول سائر الفضائل، والانتساب إليه أشهر لكونه أقرب إلى طباع عامة الخلق، فهنا قد اتَّضح أن أكرم النّسب الذي يتفاخر به الفرد على قرينه هو حسن الأدب وكرامة الأخلاق وما جاء موافقًا للشريعة الإسلامية[3]، لا التَّفاخر بالنَّسب فقط أو التَّفاخر ووفرة الأموال بالجاه أو باعتلاء المراكز والمناصب الاجتماعية والسلطوية.

وفي الختام: أن الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة على خير البشر وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين والغرّ الميامين المنتجبين، ولعن الله تعالى أعدائهم أجمعين من الأوَّلين والآخرين، إلى قيامِ يوم الدِّين...

الهوامش:
[1] سورة القلم: 4.
[2] المناقب، الخوارزمي: 376.
[3] ينظر: شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السَّلَام)، ابن ميثم البحراني: 141.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0674 Seconds