من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: عُصِيَ فَغَفَر

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: عُصِيَ فَغَفَر

638 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-05-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

عُصِيَ فَغَفَر
تدلُّ مادَّة «عصى» في اللُّغة على الخروج عن الطَّاعة. جاء في (العين): «العصا: جماعة الإسلام، فَمَنْ خالفهم، فقد شقَّ عصا المسلمين... وتقول: عَصَى يَعْصي عِصياناً ومَعْصية. والعاصي: اسم الفصيل خاصَّة إذا عصى أُمَّة في اتِّباعها»[1].
وقال الجوهريّ: «العصيان: خلاف الطَّاعة، وقد عصاهُ يَعصيه عَصْياً ومَعصيةً، فهو عاصٍ وعَصِيٌّ»[2].

وقال الرَّاغب: «وعَصَى عِصْيَاناً: إذا خرج عن الطَّاعة، وأَصله أَنْ يتمنـَّع بِعَصَاهُ. قال تعالى: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ) [طه/ 121]، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [النساء/ 14]، (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [يونس/ 91] . ويقال فيمَنْ فارق الجماعة: فلانٌ شقَّ العَصَا»[3].
وجاء في (المصباح المنير): «عَصَى العبد مولاه عَصْياً من باب رمى ومَعْصِيَةً فهو عَاصٍ، وجمعه عُصَاةٌ، وهو عَصِيٌّ أَيضًا مبالغة... وَشَقَّ فُلانٌ العَصَا يُضَربُ مثلاً لمفارقة الجماعة ومخالفتهم...»[4].

وورد هذا الفعل «عصى» مرَّةً واحدةً في الخطبة للدَّلالة على معناه اللُّغوي أَورده أَمير المؤمنين (عليه السلام) في مقام تمجيد الله ــ تبارك وتعالى ــ وتعظيمه؛ ببيان صفاته، وجاء فيها مبنيّاً للمجهول، وقابل أَمير المؤمنين (عليه السلام) بينه وبين فعل آخر، وهو «غَفَرَ» ــ وسيأْتي الكلام على دلالته إنْ شاء الله تعالى ــ إذ قال (عليه السلام): «عُصِيَ فَغَفَر».
فـ«عُصِيَ» فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول مبنيٌّ على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره (هو) عائد إلى الله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، وجملة (وعصي) معطوفة على جملة (فَقَهَر).

غَفَر، نَسْتَغْفِرُ
تدلُّ مادَّة «غَفَر» في اللُّغة على التَّغطية، والسَّتر، يُقال: غَفَرَه: ستره، وغَفَرَ المَتَاعَ فِي الوِعَاءِ يَغْفِرُه غَفْراً، وأَغْفَرَه: أَدْخَلَهُ وسَتَرَهُ، َكَذَلِكَ غَفَرَ الشَّيْبَ بالخِضَابِ: غَطَّاهُ، ويُقال: ليس فيهم غفيرة، أَيْ: لا يغفرون ذنباً، وغفران الذُّنوب إنــَّما يكون بسترها، وعدم فضح مقترفيها بالعقوبة عليها[5].
وقال الرَّاغب: «الغَفْرُ: إلباس ما يصونه عن الدَّنس، ومنه قيل: اغْفِرْ ثوبك في الوعاء، واصبغ ثوبك؛ فإنَّه أَغْفَرُ للوسخ، والغُفْرَانُ والْمَغْفِرَةُ من الله هو أَنْ يصون العبد من أَنْ يمسَّه العذاب. قال تعالى: (غُفْرانَكَ رَبَّنا) [البقرة/ 285] ... وقد يُقال: غَفَرَ لَهُ إذا تجافى عنه في الظَّاهر، وإنْ لم يتجافَ عنه في الباطن، نحو: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) [الجاثية/ 14]، والاسْتِغْفَارُ: طلب ذلك بالمقال والفعال... وقيل: اغْفِرُوا هذا الأَمرَ بِغُفْرَتِهِ، أَيْ: استروه بما يجب أَنْ يُستَرَ به»[6].

وقال ابن منظور: «الغَفْرُ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ... وَقَدْ غَفَرَه يَغْفِرُه غَفْراً: سَتَرَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته... والغَفْرُ والمَغْفِرةُ: التَّغْطِيَةُ عَلَى الذُّنُوبِ والعفوُ عَنْهَا... واسْتَغْفَرَ اللَّه فِي ذَنْبِهِ وَلِذَنْبِهِ بِمَعْنًى،، فغَفَرَ ذَنْبَهُ له مَغْفِرةً وغَفْراً وغُفْراناً»[7].
وجاء في (التَّعريفات): «والمغفرة: هي أَنْ يستر القادر القبيح الصَّادر مِمَّنْ تحت قدرته، حتَّى إنَّ العبد إنْ سَتَرَ عيبَ سيدِه مخافةَ عتابــِه لا يُقال: غَفَر له»[8].

وورد هذا الفعل «غَفَرَ» مرَّتين في الخطبة، جاء في المرَّة الأُولى مقترناً بالفاء العاطفة بعد الفعل «عُصِيَ»، إذ قال أَمير المؤمنين (عليه السلام): «عُصِيَ فَغَفَر». وقد تقدَّم أَنَّ الفاء العاطفة تفيد السَّببيَّة إنْ كان المعطوف جملةً[9]، فـ«عُصِيَ» فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، مبنيٌّ على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره (هو) عائد إلى الله ــ تبارك وتعالى ــ، و«غَفَرَ» فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، مبنيٌّ على الفتح، والفاعل ضمير مستتر، تقديره (هو) عائد إلى الله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، والجملة الفعليَّة (غَفَرَ) معطوفة على الجملة الفعليَّة (عُصِيَ).

فمراد أَمير المؤمنين (عليه السلام) أَنَّ الله ــ تبارك وتعالى ــ مع خروج عباده عن طاعته ـ عَزَّ وَجَلَّ ــ فهو السَّاتر لذنوبهم، والمتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم[10]. يقول الطَّبريّ: «إنَّ الغفران والمغفرة: السِّتر من الله على ذنوب مَنْ غفر له، وصفحه له عن هَتْكِ ستره بها في الدُّنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة عليه»[11].
فالله ــ سبحانه وتعالى ــ غفور لذنوب عباده، أَيْ: «يسترها، ويتجاوز عنها؛ لأَنــَّه إذا سترها، فقد صفح عنها، وعفا... وهو متعلِّق بالمفعول؛ لأَنــَّه لا يقع السِّتر إلاَّ بمستور يُسْتَرُ ويُغطَّى، وليست من أَوصاف المبالغة في الذَّات، إنــَّما هي من أَوصاف المبالغة في الفعل»[12].

وقد ختم أَمير المؤمنين (عليه السلام) خطبته المباركة ــ في المرَّة الثــَّانية ــ بهذا الفعل، إذ قال (عليه السلام): «فَنَسْتَغْفِرُ رَبَّ كُلِّ مَرْبُوْبٍ لِيْ وَلَكُمْ».
و«نستغفر» على زنة «استفعل»، ونصَّ العلماء على أَنَّ لِزِنَةِ «استفعل» معاني، منها الطَّلب، وهو أَشهرها[13]، فأَمير المؤمنين (عليه السلام) يطلب المغفرة من الله ــ تبارك وتعالى ــ ؛ فهو السَّاتر لذنوب عباده؛ بعفوه ــ عَزَّ وَجَلَّ ـ، والمتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. و«نستغفر» فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر، تقديره «نحن»، عائد إلى أَمير المؤمنين (عليه السلام)  )[14].

الهوامش:
[1]. العين: 1/125.
[2]. الصحاح في اللغة: 1/475.
[3]. مفردات ألفاظ القرآن: 570.
[4]. المصباح المنير 6/200. وينظر: تهذيب اللغة: 1/332، ومعجم مقاييس اللغة: 4/71، والمحيط في اللغة: 1/111، والمحكم والمحيط الأعظم: 1/398، ولسان العرب: 15/63، وتاج العروس: 1/8500.
[5]. ينظر: معجم مقاييس اللغة: 771 و772.
[6]. مفردات ألفاظ القرآن: 609.
[7]. لسان العرب 5/25.
[8]. التعريفات: 123.
[9]. ينظر: الفعل (عَدَلَ) من الكتاب.
[10]. ينظر: مطالب السؤول: 76، ومصباح المتهجّدين: 34، وكفاية الطالب: 56.
[11]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 3/152.
[12]. اشتقاق أسماء الله: 151.
[13]. ينظر: الفعل (نستعينه) في الكتاب.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 79- 83.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2220 Seconds