من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((جِيْءَ)) في قوله عليه السلام: « وَجِيْءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيْقٍ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((جِيْءَ)) في قوله عليه السلام: « وَجِيْءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيْقٍ»

43 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-06-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

بَيَّن الرَّاغب (المجيء) حين فرَّق بينه وبين (الإتيان) بقوله: «جاء يجيء جيئةً ومَجِيْئاً، والمَجِيءُ كالإتيانِ لكنَّ المجيءَ أَعمُّ؛ لأَنَّ الإتيان مجيءٌ بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد، وإنْ لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتباراً بالحصول، ويُقال: جاء في الأَعيان والمعاني، ولما يكون مجيئه بذاته ولأَمره، ولِمَنْ قصد مكاناً أَو عملاً أَو زماناً... وجاء بكذا: استحضره، نحو: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النُّور: 13]... » ([1]).
وقال ابن منظور: «المجيء الإتيان جاء جَيْئاً ومَجِيْئاً، وحكى سيبويه عن بعض العرب: هو يجيك بحذف الهمزة. وجاء يَجي جَيئةً وهو من بناء المرَّة الواحدة، إلاَّ أَنــَّه وُضِع موضع المصدر مثل الرَّجفة والرَّحمة، والاسم الجِيئة على فِعْلَة بكسر الجيم، وتقول: جئت مجيئاً حسناً» ([2]).

وورد هذا الفعل مرَّةً واحدة في الخطبة مطابقاً دلالته اللُّغوية؛ إذ قال أَمير المؤمنين (عليه السلام): «ويُقِيْمُ فِيْ قَبْرِهِ لِيَوْمِ حَشْرِهِ، فَيُنْشَرُ مِنْ قَبِرِهِ حِيْنَ يُنْفَخُ فِيْ صُوْرٍ، وَيُدْعَى بِحَشْرٍ وَنُشُوْرٍ، فَثَّمَ بُعْثِرَتْ قُبُوْرٌ، وَحُصِّلتْ سَرِيْرَةُ صُدُوْرٍ، وَجِيْءَ بِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِدِّيْقٍ، وَشَهِيْدٍ ونَطِيْقٍ». أَيْ: اسْتُحْضِرَ كلُّ نبي وصِدِّيق، وشهيد ونطيق.
وقول أَمير المؤمنين (عليه السلام): «وجيء بكلِّ نبيٍّ وصِدِّيقٍ، وشهيدٍ ونَطيقٍ» فيه تضمين لقوله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)([3]). وقال أَمير المؤمنين (عليه السلام): «وجيء بكلِّ نبيٍّ وصِدِّيقٍ، وشهيدٍ ونَطيقٍ»، ولم يقل: (وجيء بالنَّبيين والشُّهداء)؛ لأَنَّ ذلك يفوِّت الفائدة من الخطبة؛ كونها خالية من الأَلف.
و(جيء) فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، مبنيٌّ على الفتح، و(بكُلّ) الباء: حرف جرٍّ، و(كُلّ) اسم مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، و(نبي) مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، والجارُّ والجرور متعلِّقان بالفعل (جيء)، و(وصِدِّيق) الواو: حرف عطف و(صِدِّيق) معطوف مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، وجملة (وجيء بكلِّ نبي وصدِّيق) معطوفة على جملة (وحصِّلت سريرةُ صدور)([4]).

الهوامش:
([1]). مفردات ألفاظ القرآن: 212و 213.
([2]). لسان العرب: 1/51. وينظر: تاج العروس: 1/92و 93.
([3]). الزمر: 96.
([4])لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص268-269.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0962 Seconds