بقلم: رضي فاهم عيدان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
إما بعد:
(الأمر):
يتجه البحث نحو تحديد ملامح (أولو الأمر) وسماتهم من خلال بيان المراد بلفظة (الأمر) وذلك باعتبارها مركبًا إضافيًا.
ولئن كان اقتران ( أولو الأمر ) بالفعل ( أطيعوا ) يُرجِّح معنى الإمرةِ فيهم بمعنى أنهم أمراء ؛ لما فيه من لزوم الطاعة من جهة المأمور للأمير فيما يأمر به ، إلا أن التعبير القرآني في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء :83] يجعل الأمر بمعنى (الشأن) مُرادًا أيضًا ؛ باعتبار أنَّ إسناد الفعل (عَلِمه) إلى (أولي الأمر) يجعلُهم في مقامِ العلماء الذين ينظرون في شؤونِ الناسِ ومصالحِهم ، ولا مانع يمنع من اجتماع المعنيين فيهم أي الإمرة والعلم، قال ابن عاشور(ت 1393هـ) :(( الأمرُ هو الشأن ، أي ما يُهتمّ به من الأحوال والشؤون ، فأولو الأمر من الأمّة ومن القوم هم الذين يسند الناسُ إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم ، فيصير الأمر كأنّه من خصائصهم ، فلذلك يقال لهم : ذَوو الأمر وأولو الأمر ، ويقال في ضدّ ذلك : ليس له من الأمر شيء . ولمّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أنّ أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معيّنة، وهم قدوة الأمّة وأمناؤها)) ([1]).
ويشير التعبير القرآني إلى أن الأمر الذي ترجع إليه كل الأمور إنما هو الأمر الإلهي وهو يتنزله بعلمه ؛ قال تعالى:{وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود :123] و{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد :31] وأيضاً {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق :12] فالمراد بالأمر هو الأمر الإلهي المصاحب لما يدلُّ على الكليّة والعموم ؛ ويرجِّح هذا المعنى أنه لمَّا كانت طاعة أولي الأمر مطلقة بغير قيد ، من شؤون الحرب أو الجهاد أو الحكم أو الخير والحكم بالحق وغيرها، لزم ذلك أن تكون طاعتهم هي طاعة الله تعالى ، فهم إذن لا يصدرون فيما يأمرون به عن خطأ أو معصية ، وهو ما أشار إليه الفخر الرازي(ت606هـ) في تفسيره ؛ قال : ((إن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهياً عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وانه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كلَّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً ))([2]) ولما كانوا (أولي الأمر) معصومين ، فهم لا يأمرون إلا بما أمرهم الله ولا يخرجون عنه ، فلذلك كان الأمر في الآية الكريمة هو الأمر الإلهي ، وفي ضوئه تتحدد صفةَ أصحابِ الأمر.
ويؤيد هذه العصمة فيهم أن الأمر بالطاعة المطلقة لم يرد في الاستعمال القرآني ([3])إلاّ على لسان الأنبياء ؛ وقد صرَّح هارون ( عليه السلام ) بطاعة أمره طاعةً مطلقة ؛ قال تعالى: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه :90] ومن ذلك أيضاً قوله تعالى :{وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}[الزخرف :63] وأيضاً قوله تعالى:{وأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح :3] وقد تكرر قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} في سورة الشعراء ثماني مرات([4])، فلم يؤمر بالطاعة المطلقة إلاّ في خصوص الأنبياء وهو ما يشترك فيه أولو الأمر فيكونوا في منزلتهم وهو ما يلمح إلى خصوصيتهم ، وهو أمرٌ يُستبعد معه أن تكون الألف واللام للجنس في لفظة ( الأمر) .
(الفعل أطيعوا):
كان لاستعمال هذا الفعل في الآية مورد البحث أثرٌ واضحٌ في إبراز المراد بـ( أولو الأمر) ؛ باعتبار إيراده بصيغة الأمر المطلق الدال على الوجوب([5]) ، ولا سيَّما اقترانه بالواو العاطفة وما فيها من معنى الجمع والمشاركة في هذا الوجوب ، وأكد التعبير القرآني صورة الجمع بينهما من هذه الجهة بأن لم يكرر الفعل ( أطيعوا )، إلا أنه تكرر عند عطف ( رسوله ) على لفظ الجلالة فقال:{أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}، وقد ذكر بعض المفسرين بأن هذا التكرار للإشارة إلى المغايرة بينهما في مصاديق الطاعة؛ قال الطبرسي (ت460هـ): ((و إنما أفرد الأمر بطاعة الرسول و إن كانت طاعته مقترنة بطاعة الله مبالغة في البيان و قطعا لتوهم من توهم أنه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الأوامر)) ([6]) ويعني بـ( ما ليس في القرآن من أوامر ) تلك الأوامر التي تصدر عن الرسول فعلاً و كلامًا .
فطاعة الرسول واجبة في ما يبلغه من آياتٍ قرآنية أو أحاديثٍ شريفة أو سيرةٍ مباركة و هذا التكرار بإعادة ((الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله تعالى؛ اعتناءً بشأنه عليه الصلاة والسلام وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن))([7])، وكأن التعبير بهذا الأُسلوب للإشارة إلى وظيفة تبليغ الأحكام التي يقوم بها الرسول ويشركه فيها أولو الأمر، ولعلَّ في عدم تكرار الفعل (أطيعوا) كما هو الحال بالنسبة للفظ الجلالة لإبراز هذا المشترك بين الرسول وأولي الأمر في تبليغ الأحكام.
ويؤيد ذلك أنه لم يأت بذكر ( أولي الأمر ) في وجوب الرد إليهم عند التنازع ؛ فقال:{ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} واكتفى بذكر ( الرسول ) وكأن ذكره أغنى عن إعادة ذكر ( أولي الأمر ) دفعًا للتكرار ولتأكيد المشترك بينهما ، وقد جمع بينهما في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ} فلم يذكر ( أولي الأمر ) إلاّ واقترنت بـ( رسوله ) من دون تكرار الفعل وهو ما يؤكد جهة الجمع بينهما.
ويكشف لنا التعبير القرآني عن هذا المشترك ؛ فالأمر بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) مقترنة بطاعة الله عز وجل وردت في عدّةٍ من الآيات القرآنية ، وقد تكرر الفعل ( أطيعوا ) في بعض الآيات ولم يتكرر في بعضها الآخر ، قال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال :1] و :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال :20] و :{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال :46] و :{أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة :13]
أما الآيات التي تكرر فيها الفعل ( أطيعوا ) فقد ورد في أكثرها مقترنًا بلفظة (البلاغ المبين) ؛ قال تعالى:{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}[المائدة :92] و:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}[النور:54] و:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن:12] والآية مورد البحث تكرر فيها الفعل (أطيعوا ) ، وقد ورد فيها ( أولي الأمر ) مقترناً مع ( رسوله) .
(أولو الأمر) :
وردت هذه اللفظة في موردين أحدهما الآية مورد البحث ([8])، وقد أفرز ما شغلته من موقع وعلاقة ببقية الألفاظ ما سلف ذكره وخلاصته إشراك ( أولو الأمر ) في وجوب الطاعة المشتركة لهم مع الرسول مُتبعةً طاعة الله ، والمورد آخر قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء:83] .
الأمر هنا في الأمن والخوف وهو يشير إلى أن مهمة أولي الأمر التصدي للإمور العامة للمسلمين التي فيها استقرار المجتمع والحفاظ عليه ، كذلك يُوحي جوُّ الآية بأن ما يستجد من أمرٍ من الأمور لرسول الله ولأُولي الأمر يكون النظرُ في اتخاذ ما يلزم بشأنه؛ وذلك بدلالة (إذا) على الشرط فيما يُستقبل ، قال الرضي (( والأصلُ في استعمال ( إذا )، أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختصٌ من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به )) ([9]) وفي هذا ما يؤيد عمق العلاقة المشتركة بين الرسول وأولي الأمر، كذلك تلمح هذه الآية إلى سمة العلم في ( أولو الأمر ) تكشف عنها قرينة الفعل ( ردوه ) و إسناد الفعل ( علمه ) إليهم .
ومما تقدم أبرز البحث دلالة لفظة ( أولو الأمر ) على فئة مخصوصة ، وذلك بلحاظ السياق الذي وردت فيه باعتبار عطفها على لفظة ( الرسول ) المتعلق بالفعل ( أطيعوا ) ، وهو ما انفردت به اللفظة على مستوى التعبير القرآني ، وهو أمرٌ يكشف عن طاعتهم طاعة مطلقة في كل ما يأمرون به ، وهو ما يشير إلى عصمتهم وإلا لما كان التعبير بالإطلاق في وجوب طاعتهم ، وقد جاء السياق القرآني مؤيِّدًا لاختصاص الطاعة المطلقة في الأمر بشأن الأنبياء وهو ما يلمح إلى منزلة ( أولو الأمر ) ، وأبرز هذا المنزلة اقتران اللفظة مع لفظة ( الرسول ) في موارد استعمالها .
ومن السِّمات الدلالية التي أبرزها السياق القرآني بشأن استعمال اللفظة دلالتها على طبقة مُميَّزة من العلماء إليهم ترجع إليهم الأمة في ما يتنازعون فيه ، الأمر الذي مكَّنهم من النظر في شؤونها وما يعترض أحوالهم من ظروفٍ وملابسات) ([10]).
الهوامش:
([1]) التحرير والتنوير: 4/ 165-166.
([2]) مفاتيح الغيب: 5 /248.
([3]) ينظر: المعجم المفهرس: 546.
([4]) تنظر الآيات القرآنية من سورة الشعراء: 108،110، 126،131 ،144،150،163 ،179: آل عمران: 50.
([5]) ينظر: الكليات: القسم الأول: 295.
([6]) مجمع البيان: 3/ 132.
([7])روح المعاني: 5/96، وينظر: التحرير والتنوير: 4/ 165.
([8]) وينظر: المعجم المفهرس: 98.
([9]) شرح الرضي على الكافية: 3/185.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) / دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 181-189.