ألفاظُ الطَّعام والغذاء ومايتعلقُّ بها في نهجِ البلاغةِ: 2ـ الزَّاد:

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

ألفاظُ الطَّعام والغذاء ومايتعلقُّ بها في نهجِ البلاغةِ: 2ـ الزَّاد:

25 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-08-2026

بقلم: د. سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

اما بعد:
ورد هذا اللفظ أربعا وعشرين مرة في النَّهْج، ودلَّ على المعنى المجازي، فلم يرد الزاد الحقيقي ويعني به الزاد المادي المعروف من مأكلٍ، وملبسٍ وغيره في كلام الإمام (عليه السَّلام)، فاستعاره الإمام لأعمال الآخرة، والزُّهد والتقوى، وقد ورد لفظ (الزاد) مفرداً معرَّفاً بـ(ال) في قوله (عليه السَّلام): «تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ! فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَأَقِلُّوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ،  فإنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً، وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً،  لاَبُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا،  وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا»([1]) أمر بالانصراف الى وطنهم الأصلي (الدار الآخرة والجنة)،  وتحصيل الزاد ليوم المعاد،  وأراد به التقوى،  وعلّل شدة حاجتهم الى اخذ الزاد بقوله (فإن أمامكم عقبة كئوداً)،  مريداً إقلال الإقامة على الدنيا،  للزُّهد فيها والقناعة مع القدر الضروري.  فقد أمرٌ بالتجهيز من الدُّنيا وهو الاستعداد للسفر الى الله بما يحتاج اليه المسافرون الى حضرته من الزاد المبلغ وهو التقوى، والمنادى بذلك هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتاب العزيز وأولياء الله.  وإقلال التعريج على الدُّنيا بقلة الالتفات إليها إلاَّ على القدر الضروري وهو الزّهد، والاستعداد به وهو الأعمال الصالحة والتقوى([2]).
ومنها قوله: «أُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللهِ، بَتَقْوَى اللهِ الَّتي هِيَ الزَّادُ وَبِهَا الْمَعَاذُ: زَادٌ مُبْلِغٌ وَمَعَاذٌ مُنْجِحٌ، دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاع، وَوَعَاهَا خَيْرُ وَاع.....»([3]) فجعل تقوى الله زاداً ومعاداً.

وقال في التحذير من الدُّنيا: «وَأُحَذّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَة، وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَة..... فَمَا خَيْرُ دَار تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءَ، وَعُمُر يَفْنَى فَنَاءَ الزَّادِ، وَمُدَّة تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْر»([4])،  فشبه انقضاء الدنيا بإنقاض البِناء لبنائه، وشبَّه فناء العمر بفناء الزَّاد، ومدته بانقطاع السير، وحسن التشبيه في القرائن الثلاث (البناء، الزاد، السير) وائتلاف بين طرفي التشبيه([5]).  وقد ورد هذا الجمع في كلام الإمام مرة واحدة مضافا الى هاء الغائب التي تعود الى الدُّنيا؛ وذلك في سياق حديثه عن ذمها قائلا: «لاَ خَيْرَ في شَيْء مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ التَّقْوَى.»([6]).
إذ استثنى ما هو المقصود من خلق الدنيا واشار الى التقوى، وهو من أزواد الدنيا؛ لأنه لا يمكن تحصيله إلاَّ فيها، فـالتقوى مستثنى منصوب، فيجوز في (التقوى) بدل من شيء أو مستثنى منصوب جوازاً([7]).

والزود: تأسيس الزًاد.  وهو الطَّعام الذي يُتَّخَذُ للسَّفر والحَضر.  والمِزْوَد: وعاء الزًاد.  وكلُّ منتقلٍ بخير او عمل فهو مُتَزَوٍد ([8]).
  قال ابن فارس: «الزاء والواو والدال اصل يدل على انتقال بخير، من عمل او كسب.  هذا تحديد حدده الخليل.  قال كل من انتقل معه بخير من عمل او كسب فقد تزود.  قال غيره: الزود: تأسيس الزاد، وهو الطَّعام يتخذ للسفر»([9]).
ومن المجاز: التقوى خيرُ زاد، وتزودوا من الدنيا للآخرة.  وهو زاد الركب وهم ازواد الركب([10]) والزَّاد: المدخر الزائد على ما يحتاج اليه في الوقت، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}([11]) ([12]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: خ 204، 235.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 13 / 52،  وظ:  شرح نهج البلاغة: البحراني:  4 / 8.
([3]) نهج البلاغة: خ 114، 115.
([4]) خ 112، 118.
([5]) ظ: منهاج البراعة: 9 / 37.
([6]) نهج البلاغة: خ 111، 116.
([7]) ظ:  منهاج البراعة: 8 / 19.
([8]) ظ:  العين (مادة زود):  7 / 377.
([9]) مقاييس اللغة:  3 / 36.
([10]) ظ:  أساس البلاغة:  1 / 225.
([11]) البقرة / 197.
([12])  لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 335-338.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0996 Seconds