كاشفية خطاب الإمام علي عليه السلام عن عقائد العرب قبل الإسلام الحلقة العاشرة: الرمزية في عبادة الكواكب والنجوم لدى العرب قبل الإسلام

مقالات وبحوث

كاشفية خطاب الإمام علي عليه السلام عن عقائد العرب قبل الإسلام الحلقة العاشرة: الرمزية في عبادة الكواكب والنجوم لدى العرب قبل الإسلام

206 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 17-11-2022

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والصلاة والسلام على ابي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم الى قيام يوم الدين.

أما بعد:
إن من مظاهر الوثنية البالغة في المجتمع العربي قبل الإسلام هي عبادة الكواكب والتي كان لها جذور متداخلة بين الأسطورة بوصفها قد وجدت لها مجالاً خصباً لارتباطها بالسماء وحركة الكواكب والنجوم والبروج، مما يعزز خيال الكهنة في نسج كثير من هذه الأساطير، فضلاً عما كشفته الديانات الإلهية من معرفة حول هذه المظاهر السماوية وعلاقتها بالملائكة وبخالقها سبحانه وتعالى.
من هنا: نجد أن هذه العبادة قد تداخلت فيها الأساطير البابلية كالثالوث وتداخلت فيها رمزية النور والظلام والروحانيات التي اعتمدها الصابئة، وبين مساهمات كهنة العرب واعتمادهم الحركة النجمية والكواكبية في بيان المنفعة والمضرة التي دأب الإنسان على معرفتهما قبل أن يقدم على أمر ما، فكيف إذا أضيف إليهما ما رسخ في ذهن الإنسان العربي من عقيدة التطير كما مرَّ سابقاً؟!

ولذا: فقد ذكرت النصوص التاريخية أن (الملك عاد عبد (القمر)؛ وكذلك عبدته قبيلة (كنانة)، وكانت حِمْيَر تعبد (الشمس) وقبيلة ميسم تعبد (الدّبران)، وتعبد قبيلة لخم وجذام (المشتري)؛ وطيء تعبد (سهيلا)، وقيس تعبد (الشعرى)؛ وأسد تعبد (عطارد)؛ وتعبد غطفان وقريش (الزهرة).
وكان بنو مارية بن كلب، وبنو مرة بن همام بن شيبان، أعلم العرب بتحركات النجوم، وكانت عبادة النجوم عند قوم أشد منها عند آخرين)[1].
وقد استدل ميخائيل مسعود على أن العرب اتخذت الأصنام الثلاثة (مناة، اللاّت، العزى) رموزاً للكواكب عبدتها بعض القبائل، فـ (مناة) هي القمر المظلم؛ وإن (اللات) هي رمز النجم (ككت) وهو النسر الواقع، وعليه يكون عبادها من الصابئة؛ وإن (العزى) هي (الزهرة) وكان العرب المجاورون للشام والعراق يعبدونها عند ظهورها، وكانوا يسمونها إذ ذاك العزى)[2].

ولقد كشفت بعض النصوص الشريفة عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في بيان تنزيه العقول عما علق بها من تأثر رمزية الكواكب ووثنيتها في عقائد الناس لا سيما أهل مكة وقد قسمت القابل عبادة الكواكب بينها، أو تأثرها بتعاقب الليل والنهار أو رمزية النور والظلام أو طول الدهر أو الأزل، فيقول (عليه السلام) في دقائق التوحيد وتنزيه الخالق عن صفات الخلق أو الصفات السلبية كما هو مقرر في علم الكلام:
«الْحَمْدُ لِلَّه خَالِقِ الْعِبَادِ وسَاطِحِ الْمِهَادِ، ومُسِيلِ الْوِهَادِ ومُخْصِبِ النِّجَادِ، لَيْسَ لأَوَّلِيَّتِه ابْتِدَاءٌ ولَا لأَزَلِيَّتِه انْقِضَاءٌ، هُوَ الأَوَّلُ ولَمْ يَزَلْ والْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ، خَرَّتْ لَه الْجِبَاه ووَحَّدَتْه الشِّفَاه، حَدَّ الأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِه لَهَا إِبَانَةً لَه مِنْ شَبَهِهَا، لَا تُقَدِّرُه الأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ والْحَرَكَاتِ، ولَا بِالْجَوَارِحِ والأَدَوَاتِ لَا يُقَالُ لَه مَتَى، ولَا يُضْرَبُ لَه أَمَدٌ بِحَتَّى، الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ مِمَّ والْبَاطِنُ لَا يُقَالُ فِيمَ، لَا شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى ولَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى، لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ، ولَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ، ولَا يَخْفَى عَلَيْه مِنْ عِبَادِه شُخُوصُ لَحْظَةٍ، ولَا كُرُورُ لَفْظَةٍ ولَا ازْدِلَافُ رَبْوَةٍ، ولَا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ، ولَا غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْه الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، وتَعْقُبُه الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الأُفُولِ والْكُرُورِ، وتَقَلُّبِ الأَزْمِنَةِ والدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ، قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ ومُدَّةِ وكُلِّ إِحْصَاءٍ وعِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُه الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الأَقْدَارِ، ونِهَايَاتِ الأَقْطَارِ وتَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ، وتَمَكُّنِ الأَمَاكِنِ، فَالْحَدُّ لِخَلْقِه مَضْرُوبٌ وإِلَى غَيْرِه مَنْسُوبٌ...»[3].

وقال (عليه السلام):
«﴿لَمْ يُولَدْ﴾ سُبْحَانَه فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً، و﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً، ولَمْ يَتَقَدَّمْه وَقْتٌ ولَا زَمَانٌ، ولَمْ يَتَعَاوَرْه زِيَادَةٌ ولَا نُقْصَانٌ، بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، والْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ، فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِه خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ، قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ، غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ ولَا مُبْطِئَاتٍ، ولَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَه بِالرُّبُوبِيَّةِ، وإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ، لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِه ولَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِه، ولَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ والْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِه جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ، فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الأَقْطَارِ، لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ولَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ، أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْه سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ، ولَا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ، ولَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ، ومَا يَتَجَلْجَلُ بِه الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، ومَا تَلَاشَتْ عَنْه بُرُوقُ الْغَمَامِ، ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الأَنْوَاءِ، وانْهِطَالُ السَّمَاءِ، ويَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ ومَقَرَّهَا ومَسْحَبَ الذَّرَّةِ ومَجَرَّهَا، ومَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا ومَا تَحْمِلُ الأُنْثَى فِي بَطْنِهَا...»[4] .
ولم ينته الفكر عند الإنسان العربي قبل الإسلام بهذا الحد من تأثره بعبادة الكواكب وما مازجها من الميثولوجيا العالمية في بلاد الرافدين أو الصين أو أرض مصر أو اليونان أو الإغريق وغيرها من الحضارات والميثولوجيات المتعددة، بل تمازجت في فكره عبادة الحيوان والأشجار فاتخذها رمزا للعبادة [5].

الهوامش:
[1] الأساطير والمعتقدات العربية: ص111.
[2] الأساطير والمعتقدات العربية قبل الإسلام: ص112 وص114 وص117.
[3] نهج البلاغة، الخطبة: 163 ص232 بتحقيق صبحي الصالح.
[4] المصدر السابق: الخطبة: 182 ص261 بتحقيق صبحي الصالح.
[5] ينظر: أثر الميثولوجيا العالمية في تكوين عقائد العرب قبل الإسلام، السيد نبيل الحسني: ص 149-152اصدار العتبة الحسينية المقدسة – مؤسسة علوم نهج البلاغة/ ط1 دار الوارث- 2022م.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2149 Seconds