بقلم: د. جليل منصور العريَّض
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:
وهي التي يعمد علي عليه السلام في مضامينها إلى إطلاق عنان الفكر في تأمل ابداعات الكون للوصول به في النهاية إلى الإيمان بعظمة المبدع وبقدرته المطلقة، وتستمد الخطبة عناصرها من تركيز علي عليه السلام الدقيق فيما يحيط بالإنسان من مشاهد ومخلوقات، بتسليط الضوء عليها، وتوضيح جوانب الإبداع التي قد لا يراها الإنسان العادي، ولا يحس بها إلا إذا استثير انتباهه نحوها، لاعتياده على رؤية المشاهد دون تأملها، وبهذه الاستثارة التي يعمد علي عليه السلام إليها من خلال الكلمة، تختلف نظرة مستمعه إلى الأشياء، فتتضح لعقله جوانب الحقيقة، فيقف عليها مندهشا متأملاً، وهو الغرض الاساسي الذي يرمي إليه علي عليه السلام من تلك الخطبة في مناسباتها.
ومن أهم خصائص هذا النوع من الخطب أنها تعمد إلى اقناع العقل بانتزاع أمثلتها من الواقع المحسوس، كوصف الجرادة، أو النملة، أو الخفاش، أو الطاووس، أو خلق الإنسان أو خلق السماء والأرض والكواكب إلى غير ذلك من مشاهد عينية أو إدراكية معرفية.
صياغة الحقائق المعرفية المراد تأملها في تعبيرات ملائمة وما يهدف إليه من استثارة عقلية وهو في هذا السبيل «لا يستخدم لفظاً الا في هذا اللفظ ما يدعوك لأن تتأمل، ولا عبارة إلا وهي تفتح أمامك آفاقا وراءها آفاق من النظر الجليل»([1])، من ذلك أنه قد يخطر ببال من انتاب إيمانه بخالق الوجود بعض الشك، أو نوعا من الفتور بتصوره ان لا قوة يمكن لها فناء هذا الكون المحكم، مقارنا ذلك بقدرته وتضاؤل قوته أمام كثير من ظواهر الوجود، ولاستقراء علي عليه السلام ما في تلك النفوس من ضعف إيمان يجيب عن تساؤلاتها ويزيل حيرتها ضمن خطبة تأملية بقوله «وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف ولو اجتمع جميع حيواناتها من طيرها وبهائمها واختراعها، وما كان من مراحها وسائمها، وأصناف أسناخها وأجناسها، ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة، ما قدرت على إحادثها ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنها مقهورة، مقرة بالعجز عن انشائها»([2])، فللألفاظ من الدقة والاستقصاء ما يمكن من خلالها استقراء ما في النفوس والإجابة على تساؤلاتها الحائرة بمنطق تأملي يعيد إليها توازنها من خلال مقارنة بين النشأة والفناء بملاحظة الإنسان بذاته، إذ بإمكانه أن يبني ثم انه بإمكانه أيضاً إزالة ما بنى، إلا أن إمكاناته لا ترقى إلى إبداع الروح واختراعها مهما تناهت في صغر الحجم، فالمقارنة بين قدرة الخالق، وقدرة المخلوق، لا مجال لها عقلا بالتأمل في الخلق.
ومن خصائص خطبه التأملية الداعية في مضامينها إلى التوحيد استخدام الأساليب المبنية على المسببات والنتائج، وهو ما ينحو إليه عند تعرضه لنفي الصفات عن الخالق سبحانه وتعالى([3]).
ومن أهم ما يميز خطب علي عليه السلام التأملية أيضا، الهدوء والانسياب فعلي عليه السلام في مثل تلك الخطب شاعر أكثر منه خطيبا، يسيح بفكره في ملكوت الله، متغنيا بفضائله وجميم نعمه لاهجا بشكره في عبارات مجللة بالإيمان العميق والحب الصادق، فالخطبة التأملية من حيث بنائها النفسي تختلف اختلافا جذريا عنها في خطب علي عليه السلام الجهادية، التي يغلب عليها الطابع الثوري المشحون بالحزن واللوعة والالم، لأن حماسه العظيم للجهاد لا يتناسب واستجابة أصحابه. اما هنا في خطبه التأملية، فهو يتغنى جذلا بعبارات هادئة وبنفس مطمئنة، تتخير من الألفاظ ما يعبر عن انسجامها التام في الموضوع بحيث تبقى الخطبة في مستوى نفسه الجدلة منذ بدايتها حتى خاتمتها، التي أكثر ما تكون على شلك دعاء وتبتل صادر من اعماقه كما في قوله في خاتمة خطبة تأملية محورها التوحيد «اللهم وهذا مقام من افردك بالتوحيد الذي هو لك، ولم ير مستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك، وبي فاقة إليك لا يجبر مسكنتها الا فضلك، ولا ينعش من خلتها الا منك وجودك، فهب لنا في هذا المقام رضاك، واغننا عن مد الأيدي إلى سواك، إنك على كل شيء قدير»([4])(([5]).
الهوامش:
([1]) جورج جرداق ـ الإمام علي (عليه السلام) صوت العدالة 3/185.
([2]) خطب ـ 234 ـ الفقرةـ3ـ. ومراحها: بضم الميم ـ اسم مفعول من أراح الإبل أي ردها إلى المأوى. والسائم: الراعي من الإبل. والأسناخ: الأصول والأنواع الاكياس: ـ جمع كيّس بتشديد الياء ـ العاقل الحاذق. وخاسئة: ذليلة وحسيرة:
([3]) يمكن ملاحظة ذلك في الخطبة رقم 1 و234، جميع الخطب المعالجة لموضوع التوحيد ونفي الصفات التي وردت في نهج البلاغة.
([4]) خطب ـ90ـ الخاتمة. والخلة ـ بفتح الخاء: الفقرة.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 623-625.