بقلم: الدكتور محمد سعدون عبيد العكيلي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
روى الكوفي([1]) وقال: ... حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه أسلم أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)! والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاؤوها فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فروا رأيكم ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر.
ويذكر ابن قتيبة([2]) رواية مطولة تخص هذا الشأن فقال:... قال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال: وخرج علي [عليه السلام] يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي [عليه السلام]: أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم. كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب [عليه السلام] قال: وإن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي [عليه السلام]، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفسه عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟ فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة [عليها السلام] على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا.
ويختلف معه ابن عبد البر([3]) فيروي ويقول: (... عن زيد بن أسلم، عن أبيه -أن عليا والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ويتراجعان في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول الله، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ. ثم خرج وجاؤها، فقالت لهم: إن عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ، وأيم الله ليفينّ بها، فانظروا في أمركم، ولا ترجعوا إليّ. فانصرفوا فلم يرجعوا حتى بايعوا لأبي بكر).
ونلاحظ الاختلاف بذكره العبارة (ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ!) وهو تغيير في نص الرواية مما يدفع بنا إلى الحكم على الرواية بأنها مجانبة للحقيقة.
وذكر اليعقوبي([4]) وقال: (... وأتته فاطمة ابنة رسول الله تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: قال رسول الله: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة. فقالت: أفي الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ أما قال رسول الله: المرء يحفظ ولده؟ فبكى أبو بكر بكاء شديدا). وأيضاً ذكر اليعقوبي([5]) وقال: (... ودفنت ليلا، ولم يحضرها أحد إلا سلمان وأبو ذر، وقيل عمار وكان بعض نساء رسول الله أتينها في مرضها فقلن: يا بنت رسول الله! صيري لنا في حضور غسلك حظا! قالت: أتردن تقلن في كما قلتن في أمي؟ لا حاجة لي في حضوركن ودخل إليها في مرضها نساء رسول الله وغيرهن من نساء قريش فقلن: كيف أنت؟ قالت: أجدني والله كارهة لدنياكم، مسرورة لفراقكم، ألقى الله ورسوله بحسرات منكن، فما حفظ لي الحق، ولا رعيت مني الذمة، ولا قبلت الوصية، ولا عرفت الحرمة، وكان سنها ثلاثا وعشرين سنة).
ويلاحظ هنا مدى مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) وما لاقت من سوء معاملة ونكران لحقها من قبل من ظلمها، إن المرء ليقف مذهولا من موقف الصحابة هذا، أيصل الأمر بعمر أن يقسم على حرق بيت الزهراء -والصحابة مقرّون له على فعله الشنيع هذا-؟! إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لا يدخل بيت الزهراء (عليها السلام) إلا بعد الاستئذان، وهو بيت طالما نزل فيه جبريل (عليه السلام)! أهذه هي وصية الرسول بعترته؟ أليست فاطمة بضعة من الرسول؟! ألم يقل نبي الله: (من آذى فاطمة فقد آذاني)([6])، ألم يفرض الله مودتها في قرآنه: قال تعالى {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}([7]) فأين غابت هذه الحقائق عن عمر والصحابة؟ لابد من الاعتراف أن عمر ومن معه من الصحابة آذوا الزهراء، (ومن آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) هذه نتيجة تنطق بها النصوص. فما رأيك - أيها المسلم في من يؤذي الله ورسوله([8])؟!)([9]).
الهوامش:
([1]) المصنف، ج8، ص572.
([2]) الإمامة والسياسة، تحقيق: علي شيري، ط2، انتشارات شريف الرضي، (قم - 1413هـ)، ج1، ص29- ص30
([3]) الاستيعاب، ج3، ص975؛ النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 19، ص40.
([4]) تاريخ اليعقوبي، ج2، ص127.
([5]) المصدر نفسه، ج2، ص115.
([6]) الشيخ المفيد، الفصول المختارة، تحقيق: نورالدين جعفريان، يعقوب الجعفري، محسن الأحمدي، ط2، دار المفيد، (بيروت - 1414هـ)، ص88.
([7]) سورة الشورى، آية: 23.
([8]) خليفات، مروان، وركبت السفينة، ط2، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، (الأردن - 1418هـ)، ص277.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: أخبار الإمام علي بن ابي طالب في كتاب المصنف لابن ابي شيبة الكوفي: تأليف محمد سعدون عبيد العكيلي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 201-204.