صراعُ الإنسانِ معَ الدنيا يوقِعُهُ في شباكِ الغفلةِ.

مقالات وبحوث

صراعُ الإنسانِ معَ الدنيا يوقِعُهُ في شباكِ الغفلةِ.

61 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-07-2026

بقلمِ: السيدِ نبيلِ الحسنيِّ الكربلائيِّ.

إنَّ منْ أهمِّ القيمِ الإنسانيةِ التي حثَّ عليهَا القرآنُ والسنةُ النبويةُ هيَ التحرزُ منَ الوقوعِ في فكِّ الغفلةِ عنِ التوبةِ، ولا سيما ما وردَ في رواياتِ أهلِ البيتِ (عليهمُ السلامُ) سواءً عَبْرَ البناءِ القيميِّ للإنسانِ في المواعظِ والإرشادِ والأمرِ والنهيِّ، أوْ عَبْرَ المناهلِ المعرفيةِ التي اكتنزَتْهَا الأدعيةُ المرويةُ عنهُمْ، ومنْ بينِهَا الصحيفةُ السجاديةُ التي كانتْ بحدِّ ذاتِهَا مَكْنِزاً معرفياً لجملةٍ منَ الحقولِ التي يصعبُ حصرُهَا وعدُّهَا، ومنهَا البناءُ القيميُّ والأخلاقيُّ والتنمويُّ للفضائلِ واجتنَابِ الرذائلِ.
ومنْ ثمَّ: يعرضُ النصُّ الشريفُ في نهجِ البلاغةِ والصحيفةِ السجاديةِ حقيقةَ الصراعِ الذي يدورُ بينَ الإنسانِ والدنيا منذُ ولادتِهِ إلى أنْ ينتهيَ بهِ العمرُ فيغادرُهَا ليلِجَ عالمَ الآخرةِ وينزلَ في أوَّلِ منازلِهَا وقدْ وقعَ في شباكِ الدنيا وتملَّكَتْهُ الغفلةُ عنِ التوبةِ.
وذلكَ أنَّهُ يبدأُ مشوارَهُ الحياتيَّ صارخاً باكياً يصارعُ الدنيا كيْ يصلَ إلى المراضعِ وإلى منْ يسترُهُ بالثيابِ، ويكفُّ عنهُ الأذى، وإلى منْ يؤانسُهُ ويضاحكُهُ، ويناغِيهِ ليبدِّدَ وحدتَهُ، فهوُ منذُ ذلكَ الوقتِ يصارعُ الدنيا لأمورٍ أربعةٍ: (الطعامِ، والملبسِ، والأمنِ، والعاطفةِ)، ولهذهِ الأربعةِ يصارعُ في شبابِهِ وكهولتِهِ، وإنْ أخذَ بهِ الضعفُ وأقعدَهُ العجزُ عنِ القيامِ بوظائفِهِ البدنيةِ والنفسيةِ، إلَّا أنَّهُ في حقيقةِ الحالِ يزدادُ صراعُهُ معَ الحياةِ وحرصُهُ عليهَا.
ومنْ ثمَّ: يكونُ صراعُهُ في الدنيا لأجلِ الدنيا، في حينَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) يخاطبُ الإنسانَ ـ في النصِّ الشريفِ محلِّ البحثِ ـ لينقلَهُ إلى غايةٍ أخرى في صراعِهِ معَ الدنيا، فيقولُ: « فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً»[1].
ومنْ ثمَّ على الإنسانِ أنْ يتزودَ في حياتِهِ الدنيويةِ ليأخذَ منهَا ما يحرزُ بهِ نفسَهُ في الآخرةِ، أيْ يحفظُهَا وينجِيهَا منَ البلاءِ والضراءِ والعقابِ والهلكةِ في الآخرةِ، وذلكَ أنَّهُ في خضمِّ انشغالِهِ وصراعِهِ معَ الحياةِ يغفلُ عنْ نفسِهِ ليواجهَ حقيقةً مرَّةً في الآخرةِ ويجدَ نفسَهُ في: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ – ٣٦].
والعلةُ في هذهِ الغفلةِ التي يقعُ فيهَا الناسُ أنَّهُمْ «فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ» منهُمُ «فِيهَا الْغَفْلَةُ، وَالتَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ»[2] كمَا بَيَّنَ أميرُ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ).
منْ هنا: فإنَّ أخطرَ ما يواجهُ الإنسانَ في صراعِهِ معَ الدنيا هوَ الغفلةُ عنِ التوبةِ فيتردَّى بهِ الحالُ إلى البهيميةِ فيكونُ مصيرُهُ في الآخرةِ كمَا بَيَّنَهُ القرآنُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩][3].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، الخطبة: 64 بتحقيق صبحي الصالح.
[2] نهج البلاغة، الخطبة: 86 بتحقيق صبحي الصالح.
[3] ينظر: أثار الغفلة عن التوبة في الدنيا والآخرة، السيد نبيل الحسني الكربلائي، اصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة/ العتبة الحسينية المقدسة

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1024 Seconds