المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة / سابعًا: (عليك) في قوله عليه السلام ((فَعَليكم بالجِدِّ والاجتهاد, والتأهُّب والاستعداد والتزوُّد في منزل الزاد))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة / سابعًا: (عليك) في قوله عليه السلام ((فَعَليكم بالجِدِّ والاجتهاد, والتأهُّب والاستعداد والتزوُّد في منزل الزاد))

282 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 21-09-2021

بقلم: د. حيدر هادي الشيباني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فإن أسماء الأفعال من الموضوعات اللغوية التي شغلت عناية الكثيرين من علماء العربية، قدماء ومحدثين ومعاصرين، إذ لم يخلُ كتاب في العربية قدم من ذكرها.
والمراد بأسماء الأفعال المُراد بأسماء الأفعال أنَّها ألفاظ «وُضِعت لتدل على صيغ الأفعال، كما تدلُّ الأسماء على مسمياتها»([1]).
أمّا دلالتُها فقد ذكر كثير من اللغويين أنَّها تفيد المبالغة، فضلاً عن إفادتها الاتِّساع والاختصار، قال ابن السَّرَّاج: «فجميع هذه الأسماء التي سُميَ بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كفَت عنها»([2])، وأكد ذلك ابن جني مفسِّرًا، فقال: «وذلك أنك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس»([3])، وإلى هذا ذهب ابن يعيش([4])، والرضي الاسترابادي([5]).
من هنا نجدها وردت في كتاب نهج البلاغة، وهي على النحو الآتي:
سابعًا: عَليْكَ
اسمُ فعلٍ منقول من الجار والمجرور, قال سيبويه: «وإذا قال: عليك زيدًا, فكأنَّه قال له: ائتِ زيدًا»([6]), وعليك نفسَك, أي: ألزمها([7]).
وأصل (عليك زيدًا): وجَب عليك أخذُ زيدٍ([8]), فالأصل في الظرف والجار والمجرور أنَّه كان يُستعمل مع متعلقِه, أو جزءًا من جملة, وبكثرة الاستعمال حُذف متعلقُه أو الجزء الآخر, وأصبح الاكتفاء به يدل على معنى الفعل([9]), لهذا دلَّ (عليك) على المبالغة والتوكيد لِما فيه من الاختصار والسرعة([10]).
ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) يوصي بالتقوى.
قال فيها: «فَعَليكم بالجِدِّ والاجتهاد, والتأهُّب والاستعداد والتزوُّد في منزل الزاد»([11]).

في النص اسم فعل هو (عليكم) ومعناه: الزموا.
خطاب الإمام (عليه السلام) يشير إلى ضرورة العمل والجد, والتأهُّب من الأُهبة, أي: العدة([12]).
والمُراد هنا: ما يدَّخره الإنسان من أعمال صالحة استعدادًا لنزول الموت, وطبيعي أنَّ التزود من هذه الأعمال إنما يكون في (دار الزاد), أي: دار الدنيا, لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة /من الآية:197].
فمقام النص العَلَوي وما ورد فيه من ذِكر الموت وما يرافقُه من شدة سكراتِه وأليم إزهاقه, وشدَّة إيلامه, وفجأة إتيانه اقتضى اختيار لفظة تتناسب في شدة أمرها وقوته مع تلك المواقف الشديدة والصعبة, وذلك هو اسم الفعل (عليكم), هذا فضلاً عن أنَّ دلالةَ الإسراع التي فيه جاءت ملائمة لحث الإنسان على الإسراع في عمل الصالحات هي - أصلًا - طلبٌ قرآني, لقوله تعالى: ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133], ولـ(على) دلالة الفوقية والاستعلائية, فكُلُّ شيءٍ يأتي من جهة عُليا يكون سريعًا, ماديًا كان أو معنويًا, ويكون محترمًا مُنفَّذًا على جهة الإسراع الحقيقي..([13]).

الهوامش:
([1]) شرح المفصل: 4/25.
([2]) الأصول في النحو: 2/134.
([3]) الخصائص: 3/46.
([4]) ينظر: شرح المفصل: 4/25.
([5]) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/89.
([6]) كتاب سيبويه: 1/250-251, وينظر: المقتضب: 3/205.
([7]) ينظر: جامع الدروس العربية, الشيخ مصطفى الغلاييني: 1/109.
([8]) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/89.
([9]) ينظر: معاني النحو: 4/39.
([10]) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/89, والنحو العربي نقد وتوجيه: 204, وأساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 182, والجملة العربية والمعنى: 179.
([11]) شرح (ابن أبي الحديد): 13/5, وجاء في موضعين آخرين: 9/203, 18/373
([12]) ينظر: العين: 4/99 (أهب).
[13] لمزيد من الاطلاع ينظر: ابنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة، حيدر هادي الشيباني، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 137 - 139.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1783 Seconds