من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: «ولم يُحِطْ به نَظَرٌ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله: «ولم يُحِطْ به نَظَرٌ»

387 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-10-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي: «ولم يُحِطْ به نَظَرٌ».
يُقال: حَاطَهُ يَحُوطُهُ حَوْطاً، وَحيطةً، وحياطةً: حفظه، وتعَهَّده وأَحرزه[1].
وقال ابن فارس: «الحَاءُ وَالْوَاوُ وَالطَّاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ يُطِيفُ بِالشَّيْءِ. فَالْحَوْطُ مِنْ حَاطَهُ حَوْطاً»[2]. وأَحاطَتِ الخيلُ بفلانٍ واحْتاطَتْ به، أَيْ: أَحدقت به [3].

وقال الرَّاغب: «والإحاطة تقال على وجهين: أَحدهما: في الأَجسام نحو: أَحَطْتُ بمكان كذا... والثــَّاني: في العلم نحو قوله: (أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق/ 12]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران/ 120] ... والإحاطة بالشَّيء علماً هي أَنْ تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيَّته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلاَّ لله تعالى، وقال عَزَّ وَجَلَّ: (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس: 39]، فنفى ذلك عنهم»[4]. وأَحاط به، أَيْ: علمه من جميع وجوهه، ولم يفته شيء منه[5].
وفرَّق أَبو هلال العسكريّ بين (الإحاطة بالشَّيء) و(العلم به) بقوله: «الفرق بَين الْعَالم بالشَّيْء وَالْمُحِيط بِهِ أَنَّ أصل الْمُحِيط المطيف بالشَّيء من حوله بِمَا هُوَ كالسُّور الدَّائر عَلَيْهِ يمْنَع أَنْ يخرج عنه مَا هُوَ مِنْهُ، وَيدخل فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَيكون من قبيل الْعلم وقبيل الْقُدْرَة مجَازاً»[6].
وعرَّف الجرجانيّ (الإحاطة) بأَنــَّها: «إدراك الشَّيء بكماله ظاهراً وباطناً»[7].

وبهذا المعنى جاء هذا الفعل «يُحط» في الخطبة مرَّةً واحدةً، أَورده أَمير المؤمنين (عليه السلام)  في مقام بيان عظمة الله ــ تبارك وتعالى ــ وتمجيده؛ إذ قال (عليه السلام): «ولم يُحِطْ به نَظَرٌ». ومراده (عليه السلام): أَنَّ الله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ ربٌّ مُتَفرِّدٌ بعزَّتِه، مُتملِّكٌ بقوَّتِه، مُتقدِّس بعلوِّه، مُتكبِّر بسمِّوه؛ بدلالة «ليس يُدركُه بصرٌ، ولم يُحِطْ بِهِ نَظَرٌ»؛ ولهذا فهو ــ تعالى ــ قويٌّ منيعٌ، بصيرٌ سميعٌ، حليمٌ كريمٌ، رؤوفٌ رحيمٌ، وأَنــَّى لمخلوق أَنْ يعلَم وجودَ خالقه ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ، وجنسَهُ، وقدْرَهُ، وكيَفيّتَهُ، تعالى عمَّا يصفون علوّاً كبيراً.
و«المحيط» صفةٌ من صفات الله ــ تبارك وتعالى ــ . قال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثــْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [8]، أَيْ: أَحاط بكلِّ شيء من الكلِّيَّات والجزئيَّات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرَّةٍ في السَّماوات أَو في الأَرض، عالم بجميع الأَشياء، وقادرٌ على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك الله ربُّ العالمين، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله المحيط بالأَكوان، العليِّ العظيم الَّذي لا يخرج عن سيطرته شيء[9].
و«لم يُحِطْ» لم: حرف نفي، وجزم، وقلب، و«يُحط» فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه السُّكون، وحُذِفَت الياء قبل الطَّاء السَّاكنة؛ للتَّخلُّص من التقاء السَّاكنين، وأَصله: «لم يُحيطْ»، ثــُمَّ حُذِفَت الياء فصار: «لم يُحِطْ»[10]، و«به» الباء حرف جرٍّ، والهاء ضمير متــَّصلٍ مبنيٌّ في محلِّ جرٍّ بحرف الجرِّ، و«نَظَرٌ» فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره. وجملة (ولم يحط به نظر) معطوفة على جملة (ليس يدركه بصر)»[11].

الهوامش:
[1]. ينظر: الاشتقاق: 1/198، ولسان العرب: 9/150.
[2]. معجم مقاييس اللغة 2/120.
[3]. ينظر: الصحاح 3/112، ولسان العرب: 9/149.
[4]. مفردات ألفاظ القرآن: 265.
[5]. ينظر: أساس البلاغة: 99، ولسان العرب: 9/150.
[6]. الفروق اللغوية: 75.
[7]. التعريفات: 32.
[8]. الطلاق: 12.
[9]. ينظر: التفسير الكبير: 30/40. وينظر: الجامع لأحكام القرآن: 18/16، والميزان في تفسير القرآن: 16/56.
[10]. ينظر: الفعل (زال ــ يزال) من الكتاب.
[11] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 98-100.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2135 Seconds