من الأمثال العربية في نهج البلاغة: أقواله (عليه السلام) المبنية على حادثة 5-قوله عليه السلام: (لجملُ أهلك وشسع نعلك خيرٌ لك)

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من الأمثال العربية في نهج البلاغة: أقواله (عليه السلام) المبنية على حادثة 5-قوله عليه السلام: (لجملُ أهلك وشسع نعلك خيرٌ لك)

165 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 13-05-2024

بقلم: الدكتور حسن طاهر ملحم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من تبوأ من الفصاحة ذروتها وأصبح بذلك أفصح العرب أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين لا سيما الإمام علي عليه السلام أمير البيان..

وبعد:
(لجملُ أهلك وشسع نعلك خيرٌ لك)([1])
من كتاب له (عليه السلام) إلى المنذر بن جارود العبدي وقد خان في بعض ماولاه من أعماله:
(أما بعد فإن صلاح أبيك غرّني منك، وظننت أنك تتبع هَدْيه وتسلك سبيله ... ولئن كان ما بلغني عنك حقاً لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك، ومن كان بصفك فليس بأهل أن يسد به ثغر)([2]).
والمنذر بن الجارود([3]) من الذين فارقوا علياً (عليه السلام)، وعاداه وكان قد ولاه مدينة اصطخر([4]) وقد عزله أمير المؤمنين بعد أن سمع عنه بأنه قد احتاز مالاً من الخراج كان أربعمائة ألف درهم فحبسه علي (عليه السلام) وأغرمه ثلاثين ألفاً بعد أن أقدمه([5]).
ويذكر البلاذري([6]): بعد أن أقدمه (أي الإمام) إليه بعد وصول كتابه شكاه قوم بأنه أخذ ثلاثين ألفاً،  فسأله فجحد فاستحلفه فلم يحلف فحبسه.

واستشفع له صعصة بن صوحان العبدي([7]) بعد أن عاده علي (عليه السلام) عند مرضه فكلمه صعصعة وقال: أنا أضمن ما على المنذر،  قال علي (عليه السلام) كيف تضمن ذلك وهو يزعم أنه لم يأخذ شيئاً،  فليحلف،  فقال: صعصعة: هو يحلف،  قال علي (عليه السلام): وأنا أظنه سيفعل إنه نظار في عطفيه،  مختال في برديه،  تفال في شراكه،  فأخرجه علي فخلى سبيله وقال علي لصعصعة: إنك ما علمت لخفيف المؤنة،  حسن المعونة،  فقال صعصعة: والله وأنت يا أمير المؤمنين ما علمت بالله لعالم وله خائف([8]). فلم يشكر المنذر لصعصعة ما صنع في أمره فقال الأعور الشني([9]) يذكر بلاء صعصعة بن صوحان:
ألا سألت بني الجــارود أي فتـــىً           عندَ الشفاعةِ والبابِ ابن صوحانا
هــل كان إلا كأمٍّ أرضعـت ولـداً            بمقتٍ فلم تجزَ بالإحسانِ إحسـانا
لا تأمَننَّ امرءاً خــــانَ امرءاً أبــداً            إنْ من الناس ذا وجهـين خوّانـــــا
والأبيات ذكرها البلاذري([10]) بتفاوت بالألفاظ وذكرها ابن عساكر([11]) بألفاظ البلاذري ونسبها خطأ إلى صعصعة بن صوحان.
وكان ضرب المثل عند الإمام من باب الاستهانة وشسع النعل([12]) يضرب به المثل في الاستهانة مشهور،  لابتذالها وطئها الأقدام في التراب،  وكانت العرب تضرب المثل بالجمل في الذلة والهوان والجهل،  ولا ريب أنّ شسع نعل الخائن وجمل أهله الذي يركبه خير منه لأنه لم يخن ما خان.

قال ابن أبي الحديد([13]) العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان قال:-
لقد عَظُمَ البعيرُ بغيرِ لبٍّ            ولم يَستغنِ بالعظــمِ البــعيرُ
يصرّفُهُ الصبيُ بكلّ وجهٍ            ويحبسُهُ عن الخسفِ الجريرُ
وتضربُهُ الوليدةُ بالهراوى            فـــلا غِـيرٌ لــديهِ ولا نكــيرُ([14]).

الهوامش:
([1])- ابن أبي الحديد: شرح النهج، 18/54 كتاب (71).
([2])- البلاذري: أنساب الأشراف، ص163 .
([3])- المنذر بن الجارود: هو المنذر بن الجارود العبدي،  واسم الجارود (بشر بن حنيس) وانما سمي الجارود لما قاله الشعراء فيه (كل جرد الجارود بكر بن وائل،  ووفد الجارود على النبي (صلى الله عليه وآله) في 9 أو 10هـ في جماعة من عبد القيس وكان نصرانياً فأسلم وحسن اسلامه،  وكان رجلاً فارساً وقتل سنة 21هـ بفارس في أحد البعوث الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب وفيه يقول عمر بن الخطاب: لو أن رسول الله يقول (إن هذا الأمر لايكون إلا في قريش لما عدلت عن الجارود)،  أما ولده المنذر فقد ولد في عهد الرسول (صلى الله عليه واله) وشهد مع علي (عليه السلام) واقعة الجمل ولاّه اصطخر ثم عزله عنها،  والتحق بمعاوية ولاّه عبيد الله بن زياد الهند في أمر من يزيد بن معاوية مات سنة 61هـ، وكان المنذر متهماً في دينه ومن شنيع أعماله أن الحسين (عليه السلام) كتب إليه يدعوه لنصرته وأرسل الكتاب مع مولاً له يقال له سليمان يكنى أبا رزين،  قبض على الرسول وسلمه إلى ابن زياد فصلبه،  وكان أول رسول صلب في الإسلام وكان ابن زياد متزوجاً بابنة المنذر.
ترجمته: ابن سعد: الطبقات الكبرى 5/561؛ ابن قتيبة: المعارف، ص319؛ ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، 60/281؛ الذهبي: تاريخ الإسلام، 5/22؛  ياقوت الحموي: معجم البلدان، 1/510.
([4])- اصطخر: من أقدم مدن فارس وبها كان سرير الملك دارا بن دارا، ينظر معجم البلدان 1/329.
([5])- الثقفي: الغارات، 2/522.
([6])- أنساب الأشراف، / 163.
([7])- صعصعة بن صوحان من خُلّص أصحاب علي (عليه السلام) كان خطيباً فصيحاً لسناً وقد وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: هذا الخطيب الشحشح،  أي الماهر،  وكفاه أن يشهد له مثل أمير المؤمنين بالمهارة والفصاحة توفي أيام معاوية بن أبي سفيان،  احتج به النسائي،  نفاه المغيرة إلى الجزيرة في البحرين.
ترجمته: البخاري: التاريخ الكبير، 4/220؛ البلاذري: أنساب الأشراف، ص163؛ ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، 4/197؛ ابن حجر: الإصابة، 7/250؛ النجاشي: رجال النجاشي، ص203؛ الذهبي الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة، ص502، عبد الحليم الجندي: الإمام الصادق، ص214.
([8])- البلاذري: أنساب الأشراف، ص164؛ الثقفي: الغارات، 2/523.
([9])- الأعور الشني: هو بشر بن منقذ من عبد القيس وكان شاعراً محسناً وله ابنان شاعران يقال لهم جهم وجهيم، وكان المنذر بن الجارود ولي اصطخر لعلي بن أبي طالب...... فضمنها عنه صعصعة بن صوحان فقال الأعور الأبيات، ينظر: ابن قتيبة: الشعر والشعراء ص149.
([10])- أنساب الأشراف، ص164.
([11])- تاريخ مدينة دمشق، 24/97.
([12])- شسع النعل: السير الذي تشد به.
([13])- شرح النهج، 18/54.
(([14])) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمثال العربية ومدلولاتها التاريخية في كتاب نهج البلاغة، للدكتور حسن طاهر ملحم، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، 212-215.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.7746 Seconds