من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((يُنْفَخُ)) في قوله: «فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ حِيْنَ يُنْفَخ فِيْ صُوْرٍ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((يُنْفَخُ)) في قوله: «فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ حِيْنَ يُنْفَخ فِيْ صُوْرٍ»

6 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-05-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

جاء في (العين): «تقول: نَفَخْتُهُ فانتفخ. والمِنْفَاخ: ما يَنْفَخ به الإنسان في النَّار وغيرها... والنُّفخة: انتفاخ البطن من طعام ونحوه»([1]).

وقال ابن فارس: «النُّون والفاء والحاء: أَصل صحيح يدلُّ على انتفاخ وعلوٍّ. منه انتفخ الشَّيء انتفاخاً. ويُقال: انتفخ النــَّهار: علا. ونَفخةُ الرَّبيع: إعشابه؛ لأَنَّ الأَرض تربو فيه وتنتفخ. والمنفوخ: الرَّجل السَّمين»([2]).

ويُقال: نفخ فيه، ونفخه أَيضا لغة. والمنفاخ: الَّذي يُنْفَخُ فيه. وانتفخ الشَّيء، وربَّما قالوا: انتفخ النــَّهار، أَيْ: علا. والنَّفخاء من الأَرض: ما ارتفع([3]).

وقال الرَّاغب: «النَّفخُ: نفخ الرِّيح في الشَّيء. قال تعالى: «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» [طه/102]، «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ» [الكهف/ 99]... يُقال: انتفخ بطنه، ومنه استعير: انتفخ النــَّهار: إذا ارتفع، ونَفْخَةُ الرَّبيع حين أَعْشَبَ، ورجل منفوخ أَيْ: سمين»([4]).

وبهذا المعنى أَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الفعل (يُنْفَخُ) مرَّةً واحدة في الخطبة؛ إذ قال (عليه السلام): «فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ حِيْنَ يُنْفَخ فِيْ صُوْرٍ». فالنَّشر: إحياء الميِّت بعد موته، ومنه قوله ــ تبارك وتعالى ــ: (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) ([5])، أَيْ: أَحياه ([6]).

فالله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ يحيي ذلك الميِّت حين ينفخ في صور، وفي قول أَمير المؤمنين (عليه السلام) تضمين لقوله -تبارك وتعالى-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثــُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)([7]).

وقال أَمير المؤمنين (عليه السلام): (في صور)، ولم يقل: (في الصُّور)؛ لأَنَّ ذلك يفوِّت الفائدة من الخطبة؛ كونها خالية من الأَلف.

وجدير بالذِّكر أَنَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام) جاء بالفعل (يُنفخ) بصيغة المبنيِّ للمجهول، وقد تقدَّم أَنَّ لحذف الفاعل، وإقامة المفعول مقامه معاني ذكرها العلماء([8])، ولعلَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام) إنَّما جاء بهذا الفعل مبنيّاً للمجهول للتَّركيز على الحدث، وهو النَّفخ في الصُّور؛ لتحقُّق عمليَّة النَّشر، وهي إحياء الميِّت بعد موته. هذا أَوَّلاً، ولتعظيم هذه العمليَّة، وهي النَّفخ في الصُّور ثانياً؛ وكما عبَّرت عنه الآية الكريمة: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثــُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ»؛ لهول هذه النَّفخة، وما يتلوها من حالات الحساب والعقاب.

و(يُنفخ) فعل مضارع مبنيٌّ للمجهول، مرفوع وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، و(في) حرف جرٍّ، و(صور) اسم مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، والجارُّ والمجرور متعلِّقان بالفعل (ينفخ)، وجملة (ينفخ في صور) في محلِّ جرٍّ بالإضافة إلى (حين) ظرف الزَّمان في قوله (فينشر من قبره، حين يُنْفَخُ في صور)([9]).

الهوامش:
([1]). العين: 1/336.
([2]). معجم مقاييس اللغة: 5، 366.
([3]). ينظر: جمهرة اللغة: 1/336، وتهذيب اللغة: 2/499، والصحاح في اللغة: 2/232، والمحكم والمحيط الأعظم: 2/344، ولسان العرب: 3/62، والمصباح المنير: 9/402، وتاج العروس: 1/1856 و1857.
([4]). مفردات ألفاظ القرآن: 816.
([5]). عبس: 22.
([6]). ينظر: الفروق اللغوية: 1/189و 190.
([7]). الزمر: 68.
([8]). ينظر: الفعل (جذبت) من الكتاب.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص261-263.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.5876 Seconds