الأخلاق من نهج البلاغة: من هدي أمير المؤمنين عليه السلام أنه بطل الحرب والسلم

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: من هدي أمير المؤمنين عليه السلام أنه بطل الحرب والسلم

328 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-06-2022

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))

وبعد:
فانه عليه السلام على فتوّته وقوته مفردًا جيشُ الإسلام، وحامي حماه، و بـ (ذي فقاره) قام عمود الدين، واستوى جانبه، وقويت شوكته، وهو بما يمتلك من العنفوان وقوة الأيد وشدة البطش والفتك والبطولة المفردة النادرة وبواعث الزهو- مالك لنزعات الذات وهوى النفس كابح لجماحها، وإنما يطلق طرفًا من أعنتها حيث تدفع شرًّا مستطيرًا، وترد عداونًا مدمرًا فتحق الحق وتزهق الباطل.
ولقد أفصح عن مشاعره وما تنطوي عليه جوانحه جنوحًا للسلم والسلامة ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وحسمًا للفساد واستشرائه إذا لم يجد من مقارعة الباطل بدًّا.

فلننصت لما يحدثنا به بطل السلم والحرب وتفاعله وانفعاله فيما يحيط به من ضروب الخطوب وبؤر المحن وشوائك المكاره.

فقد قال لأصحابه وقد استبطأوا إذنه لهم في القتال بصفين:
«أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ المَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكًّا في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْمًا إِلَّا وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا»[1].

وكان قد ملّ أصحابُه بصفين ضراوة الحرب فطال منعهم له من قتال أهل الشام:
«فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا وَقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ، وَقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ»[2].

فَعِ الموقفين بعقلك لتدرك تلكم الروح في لين جانبها، وميلها إلى الدعة وحب العافية للكافة، ولتدرك تنمّره في ذات الله وحسم مادة الفساد، وإنك لتقف على هديه لجيشه ليثبطهم عن المسارعة إلى النزال في ساحات القتال إلا بعد الإعذار والإنذار:
«فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطًا، وَلَا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ، وَلَا تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ»[3]»[4].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، خ55/91.
[2] نهج البلاغة، خ54/90-91.
[3] نهج البلاغة، الكتاب 12/372.
[4] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 86 – 88.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1523 Seconds