الدنيا في كتاب له (عليه السلام): إلى معاوية

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام): إلى معاوية

22 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 19-02-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعُ إِذَا تَكَشَفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا ، وَخَدَعتْ بِلَذَّتِهَا ، دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا ، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا ، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفُ عَلَى مَا لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنَّ، فَأَقْعَسْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَخُذْ أَهْبَةَ الْحِسَابِ ، وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ ، وَلَا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ ، وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ([1]).

شرح الألفاظ الغريبة:
الجلابيب: - جمع جلباب - وهو الثوب فوق جميع الثياب كالمِلْحَفَة: تَبَهجَت: تحسنت؛ المجن: الترس، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لا تتقي منها بترس، ورویت «منج» بدل «مجنّ» ؛ قَعَسَ : تأخر ؛ الأُهْبَة : - بضم الهمزة - العدة ؛ الغواة : جمع غاو، قرين السوء الذي يزين لك الباطل ويغريك بالفساد؛ المترف : من أطعته النعمة([2]).

الشرح:
إن أوّل هذا الكتاب: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.
سلام على من اتبع الهدى، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو..
أما بعد: فإنك رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها فيما مضى منها، وخير ما بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى منها، ومن يقس الدنيا بشأن الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً.
واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمراً لست من أهله لا في القدم ولا في البقية ولا في الولاية، ولست تقول فيه بأمر بين يُعرف لك فيه أثر ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ولا عهد تدعيه من رسول الله صلى الله عليه وآله.. ثم يتصل بقوله: «فكيف أنت ... إلى آخره».

قد استفهم عن كيفية صنعه عند مفارقة نفسه لبدنه استفهام تنبيه له على غفلته عما ورائه من أحوال الآخرة وتذكيراً بها، واستعار لفظ الجلابيب للذات الحاصلة له في الدنيا بمتاعها وزينتها؛ ووجه الاستعارة كون تلك اللذات ومتعلقاتها أحوال ساترة بينه وبين إدراك ما ورائه من أحوال الآخرة مانعة له من ذلك كما يستر الجلباب ما ورائه، ورشح الاستعارة بذكر التكشف، ولفظ - ما - مجمل بينه بقوله: «من دنيا» مع سائر صفاتها وهي تحسنها وزينتها وأسند إليها التبهج مجازاً، إذ الجاعل لها ذات تبهج ليس نفسها بل الله تعالى.

وفي قوله: «وخدعت» مجاز في الإفراد والتركيب:
أما في الإفراد: فلأن حقيقة الخدعة أن يكون من إنسان لغيره فاستعملها هاهنا في كون الدنيا بسبب ما فيها من اللذات موهمة لكونها مقصودة بالذات وأنها كمال حقيقي مع أنها ليست كذلك وذلك يشبه الخدعة.

وأما التركيب: فلأن كونها موهمة لذلك ليس من فعلها بل من أسباب أخرى منتهى إلى الله سبحانه.
وكذلك التجوز في قوله: «دعتك وقادتك وأمرتك»: فإن الدعاء والقود والأمر لها حقائق معلومة لكن لما كانت تصورات كمالها أسباباً جاذبة لها أشبهت تلك التصورات الدعاء في كونها سبباً جاذباً إلى الداعي فأطلق عليها لفظ الدعاء، وكذلك أطلق على تلك التصورات لفظ القود والأمر باعتبار كونها أسباباً مستلزمة لا تباعها كما أن الأمر والقود يوجبان الاتباع.

وأما في التركيب فلأن تلك التصورات التي أطلق عليها لفظ الدعاء والقود والأمر مجازاً ليس فاعلها وموجبها هو الدنيا بل واهب العلم، ولما كانت إجابة الدنيا واتباعها وطاعتها معاصي يخرج الإنسان بها عن حدود الله ذكرها في معرض توبيخه وذمه.

وقوله : «وإنه يوشك»: تذكير بقرب اطلاعه على ما يخاف من أهوال الآخرة والوصول إليه اللازم عن لزوم المعاصي وهو في معرض التحذير له والتنفير عــن إصراره على معصية الله بادعائه ما ليس له : أي يقرب أن يطلعك مطلع على ما لابد لك منه مما يخاف من الموت وما تستلزمه معاصيك من لحوق العذاب، وظاهر أن تلك أمور غفلت عنها العصاة في الدنيا ما داموا في حجب الأبدان فإذا نزعت عنهم تلك الحجب اطلعوا على ما قدموا من خير أو شر وما أعد لهم بسبب ذلك من سعادة أو شقاوة كما أشار إليه سبحانه بقوله: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً }([3])  الآية ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك غير مرة، وذلك المطلع والموقف هو الله سبحانه، ويحتمل أن يريد به نفسه (عليه السلام) على سبيل التوعيد له والتهديد بالقتل المستلزم لذلك الاطلاع إن دام على غيه ، وظاهر أن تلك الأمور التي تقف عليها لا ينجيه منها منج .
ثم أردف ذلك التوبيخ والتهديد بالغرض له منهما وهو أمره بالتأخير عن أمر الخلافة.
ثم أردف ذلك بما يستلزم التخويف والتهديد فأمره بأخذ الأهبة للحساب والاستعداد له بعدته وهي طاعة الله وتقواه ومجانبة معاصيه، وبالتشمير لما قد نزل به.
وكنّى بالتشمير عن الاستعداد أيضاً، وما نزل به إما الموت أو القتل وما بعده تنزيلاً لما لابد من وقوعه أو هو في مظنة الواقع منزلة الواقع، ويحتمل أن يريد الحرب التي يريد أن يوقعها به.
ثم نهاه عن تمكين الغواة من سمعه، وكنى به عن إصغائه إليهم فيما يشيرون به عليه من الآراء المستلزمة للبقاء على المعصية، إذ من شأن الغاوي الإغواء، والغواة كعمرو بن العاص، ومروان، ومن كان يعتضد به في الرأي.
وقوله: «وإلا تفعل»: أي إن لم تفعل ما أمرك به أعلمك ما تركت من نفسك، ومفعول تركت ضمير -ما-.
وقوله: «من نفسك» بيان لذلك الضمير وتفسير له، وإغفاله نفسه تركه إعدادها بما يخلصه من أهوال الحرب وعذاب الآخرة وهو ملازمة طاعة الله واقتناء الفضائل النفسانية، ويفهم من ذلك الإعلام الذي توعد به الإعلام بالفعل فإن مضايقته بالحرب والقتال يستلزم إعلامه ما أغفل من نفسه من طاعة الله المستلزمة للراحة.
وقوله: «فإنّك..» إلى قوله: «الدم»: وصف له بمذام يستلزم إعلامه بالفعل [بالقول خ ل] ما أغفل من زمنه. فالترف مستلزم لتجاوز الحد الذي ينبغي ويتركه وذلك الحد فضيلة تحت العفة يكون الشيطان قد أخذ منه مأخذه وبلغ فيه أمله وجرى منه مجرى الروح والدم في القرب يستلزم وصفه بكل الرذائل المستلزمة أضدادها من الفضائل([4]))([5]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٣٦٩ - ٣٧٠ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية أيضاً رقم ١٠، ونهج الشيخ العطار: ٤٨٩ - ٤٩٠ / من كتاب له عليه السلام رقم ۱۰، وشرح النهج لابن ميثم ٤: ٣٧٠ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ۱۰، ونهج الشيخ محمد عبده ۲: ۱۰ - ١١ من كتاب له عليه السلام إليه أيضاً.
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ٦٧٦.
([3]) آل عمران: 30.
([4]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٤ ٣٧١ - ٣٧٤ في شرح كتاب له إلى معاوية رقم ١٠.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 356-360.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3779 Seconds